توفّي فجرَ أمسِ الأربعاء عَمّي الغالي أبو خالد إبراهيم بن عبد العزيز الفالح رحمه الله تعالى وغَفَر له، وأسكنه فسيح جناته..
عَمّي إبراهيم هو الشقيقُ الوحيد لوالدي مِن الأبناء (رحمهما الله)، وكنتُ أراهما روحًا واحدة في جَسَديْن، فلمْ أرَ محبّةً ووُدًّا بين أخويْنِ كما رأيتُ بينهما ..
كان عمّي يَقول لي دائمًا عن والدي:(هذا أبوي)، رغم أنّ فارقَ العمر بينهما لا يتجاوز السنة وبضعة أشهر، وكان والدي لا يَراه إلا قطعةً منه ..
قبلَ أكثر مِن 40 سنة عندما أُصِيب عمّي بحادث أَقْعَده على السرير أكثر مِن ثلاثة أشهر، كان والدي يخدمه بيديْه، وعندما بلَغَ عَمّي مَرضُ والدي الذي تُوفِّي فيه، اتصلَ بي يسأل عنه وهو في الطريق إليه، وبُكاؤه يسابقُ كلماتِه، رغم أنّ عمره حينها يُقارب السبعين ..
لنْ تُسْعِفَني الكلماتُ في وَصْف العلاقةِ بينهما رحمهما الله، فقد كانت فريدةً قلَّ نظيرُها ..
توفّي عَمّي الذي كنتُ أشمُّ فيه عبقَ والدي بعد وفاته، وكنتُ أرى في قسماتِ وجهه وحديثه العذب خيالَ والدي (رحمهما الله) ..
كان خبرُ وفاته فاجعة لي، فلمْ يكن رحمه الله يعاني مِن مرضٍ أو شكوى رغم كِبَر سِنّه، وكان قبلها بساعات قليلة أرسل لي رسالة (وتس اب) كعادته كلّ يومٍ، وكنتُ قبلها بيوم قد اتصلتُ به أسأل عن حالِه، لكن هذه حقيقة الدنيا، وهذا هو الموتُ الذي قد يَطرق باب الإنسان في أيّة لحظة ..
عَمّي إبراهيم رحمه الله طرازٌ فريد في العصاميّة والكفاح عَبْر حياته، فقد توفّيتْ والدتُه وهو ابن 11 عامًا، وتوفّي والدُه وهو لم يبلغ العشرين، وكانت الحال ضعيفة آنذاك والظروف قاسية، كما أُصِيب بمرض الجُدري وهو صغير، وكاد أنْ يذهبَ بصرُه، لكنّ اللهَ سَلّمه وحفظه ..
دخَلَ المدرسةَ الابتدائية على كِبَرٍ كحال أقرانه في ذلك الزمن فأتمّها، ولمْ تُسْعِفْه الظروف المعيشية لإكمال دراسته المتوسطة والثانوية، مما اضطرّه للبحث عن عملٍ متواضع لكَفَاف نفسه ..
تَنَقّلَ عمّي بين عِدّة وظائف حكومية، بين مراتب وظيفية دُنْيَا ووسطى، لكنّ نباهته وفطنته وحرصه وجدّيّته كانت سببًا بعد الله للتّرَقِّي إلى وظائف عُليا ..
مما يُشْهَد لعَمّي رحمه الله أنّه كان شَخْصيّةً قياديّة، صاحبَ رأي وحكمة، وكان هذا محلَّ ثقةِ مَسؤوليهِ والأخذ برأيه والاستماع إلى مقترحاته وأفكاره، وهذا بدوره أذكى صِيتَه وسُمْعتَه ..
بعد عدّة سنوات مِن البذل والعطاء والجهد والكَدّ والصيت الحسَن، رُشِّح رحمه الله للعمل في منصب قيادي في محافظة الأفلاج، وكانت تُسمّى آنذاك (إمارة الأفلاج)، وكان ذلك هو السائد في مناطق المملكة، قبل صدور نظام المحافظات ..
انتقل عمّي إلى "المحافظة"، فبَزَغَ نَجْمُه وذاعَ صِيتُه وذِكْرُه الحسَنِ في أرجاء المنطقة كلّها، وأصبح اسْمُه يتردد بين الناس، وبخاصّة أنّه كان مَلْجَأً بعد الله للعامّة الذين قد لا يَتمكّنون مِن لقاءِ المُحافظ (الأمير حينذاك).. وكان رحمه الله يستقبل المراجعين في وقت العمل وخارجه، ويَسْعَى في حَلّ مشكلاتهم والشفاعة فيهم، ومساعدة محتاجهم، ويَبْذُل في ذلك وقته وجُهده ..
بعد أنْ أثبتَ رحمه الله جدارتَه وحُسن إدارته، كان محلّ ثقة المُحافظين (أمراء المنطقة) الذين توالَوا على "المحافظة"، فكانوا يُكلِّفونه بالقيام بعملهم وتسيير مصالح الناس في فترة غيابهم أو إجازاتهم ..
وهَبَ اللهُ عَمّي صفاتٍ جسدية و"كاريزما" مختلفة، فقد كان طويلًا ذا هيبة وملامح دقيقة؛ مما زاده تأثيرًا وجاذبيّة لمستمعيه، فضلًا عن حديثه العَذْب وطريقته وأسلوبه الحسَن ..
بعد سنوات مِن العمل الجادّ في "المحافظة" والنجاحات التي حقّقها، رُشِّح رحمه الله لأنْ يكون مُحافِظًا لإحدى محافظات منطقة الرياض، لكنه لظروف اجتماعية خاصّة تربطه بالمنطقة اعتذر عن ذلك .. وبَقِي رحمه الله في "المحافظة" يبذل نفسه وجهده ويخدم منطقته ووطنه وولاة أمْره إلى حين تقاعده ..
بعد وفاة والدي رحمه الله، كان عمّي لا يَعُدّني وإخواني وأخواتي إلا أبناءه، وكان كثيرًا ما يُوصيني عليهم وعلى والدتي حفظها الله التي كان يُجِلُّها ويُقدّرها، لذا لا غرابةَ أنْ رأيتُ دموعَ والدتي تَنْسَابُ على خَدّيْها عندما بلَغَها خبرُ وفاته رحمه الله ..
كم كانت هذه العبارة:(اسمعْ وأنا عَمّك!)، تتهادى على مسامعي، فأُصْغِي لها بكُلّ شَغفٍ وتحفّز؛ لأنّي أعلم أنّ وراءها رأيًا حكيمًا أو نصيحة سديدة، فالحكمة كانت تجري لسانه دائمًا رحمه الله ..
امتازَ رحمه الله بحافظةٍ عجيبة، وذكاء وقّاد، وأسلوب أخّاذ في سَرْدِ القَصص والحكايا، وكان يَحفظ دون مبالغة آلاف القصص ذات العِبَر والحِكَم، فضًلا عن عشرات القصائد .. وربما سَرَدَ في المجلس الواحد ما يَعجَبُ منه المَرء .. لذا لا يُستَغْرَب عندما يأنَسُ الناسُ في مَجلسِه بحديثه وجمال أسلوبه وطريقته الشيّقة، مع ما تميّز به رحمه الله مِن بَشَاشةٍ ولطافة، وطُرَفٍ لا تَزِينُ إلا منه ..
كان رحمه الله مِثَالًا للسّخَاء بمَالِه وجَاهِه .. وبيتُه عامِرٌ وكَرَمُه حاتميّ ..
مِن معرفتي بعَمِّي إبراهيم حِرْصُه على الصلاة، سريع القيام إليها، وبخاصّةٍ صلاة الفجر، ولا أظنه فوّتَ صلاةَ الفجر يومًا جماعةً في المسجد ..
في مَغْسلةِ الأمواتِ بالأمسِ دخلتُ عليه مع إخوتي وأبناءِ عمّي وأقربائه وجَمْعٍ مِن مُحبّيه لتوديعه، فَقَبّلْتُ جبينَه الطاهر، فتَدَافعَت الدموعُ في عَينيّ .. فها أنا أُقَبّل بقيّةَ أثرٍ مِن والدي رحمه الله، وتذكّرتُ قُبْلتي لجَبِينِ أبي قبلَ تسعِ سنين وهو مُسَجّى، فازدادت دموعي انسكابًا ونفسي حزنًا وألَمًا .. رحمهما الله رحمة واسعة ..
مِن عاجلِ بُشرى المؤمن ثناءُ الناس عليه بعد موته وشُهود جنازته ... لقد امتلَأ جامعُ الملك عبد الله رحمه الله - أكبر الجوامع وأحدثها في المحافظة - بالمُصلّين، حيث بلَغت صُفوفُهم تسعة، وامتلأت المقبرة بهم، وكلّهم يدعو له ويَترحّم عليه، ويَذكر سيرتَه العطرة الحسَنَة ..
ومِن البشائر أيضًا أنه نطَقَ الشهادةَ ثلاث مرّات قبل أنْ يُسْلِمَ روحَه لبارئها، فالحمد لله ..
بعد أن خرجْتُ مِن المقبرة، ذهبْتُ لبيتِ عمّي لتقديم العزاءِ لعمّتي الغالية أمّ هشام، فقبّلْتُ رأسَها ويَدِيْها، فأجابَتْنِي دموعُها وبكاؤها، وقالت لي بصوتها المُتَهَدِّج:"يا ولدي! راح أبوك وراح عمّك، وما بَقي مِن عيال أبوي إلا أنا)، فواسيتُها وعزّيتُها، وقلتُ لها: يا عَمّة! أنتِ البقيّة المباركة بإذن الله..
لا ألوم عمّتي - أطال اللهُ عمرها على طاعته - على حُزنِها وبُكائها، فوالدي وعَمّي رحمهما الله هما مَن تولّى رعايتَها وهي صغيرة، فقد كان عمرُها سنتيْن عند وفاة جدّتي، و 13 عامًا تقريبًا عند وفاة جَدّي (رحمهما الله)، فكانا لها كالأبِ والأم ..
عُذرًا أخي القارئ الكريم على لُغتي الحزينة في هذه التغريدة، فالله يَعْلمُ أنّي أكتُبها ودمُوعي تُسابِقُني ..
ختامًا .. الموتُ عِبرةٌ وعِظة لمَن قلبُه حيّ، والموتُ لا يأتي باستئذان، والسعيدُ مَن اسْتعدّ، وعمل لِمَا بعد الموت..
#التجارة_الرابحة
هذا وأمثاله من يستحقون أن تنشر مقاطعهم ويستحقون الشهرة ويكونون قدوة ماهم
#مشاهير_الفلس_والعري_والتفاهة
أمنيتي أكون مثله أعلم القرآن بنفسي لو الفاتحة لأمثالهم
شوفوا كيف متشوقين وفرحانين بكتاب الله
ي اللي كتاب الله في بيوت كثير منا وملاه الغبار أو
في أدراجنا هذا إذا لمحناه في رمضان
غير بعض الأطفال يعبث فيه ويقطع صفحاته
اللهم اجعلنا من حفظة كتابك الكريم قولاً وعملاً وإجادة ❤️
ارفعنا بالقرآن وأكرمنا به ❤️
"حديثك الرقيق، حروفكَ السّهلة، كلامك الليّن المتواضع، لا تظّن أنه يذهب هباءً أدراج الرياح، بل ترتفع به إلى نعيم لا يدركه إلا القلّة من أهل الجنة؛ قال ﷺ: (إنّ في الجنة غرفًا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام..)
"ثم تُدرك -بعد مُضيّ الزمان- أن تلك الأسباب القاطعة لم تكن في حقيقتها إلا أسبابًا واصلة، وأن ما ظننته شرًّا كان في حقيقته رحمة، وأن ذلك الطريق المكروه قد انتهى بك إلى غايةٍ ما خطرت على قلبك لحظة، وأن عطاء الكريم جل جلاله قد أنساك مرارة التيه ولوعة الابتلاء."
ياربِّ إنِّ لحفَّاظِ القرآن والسَّاعين في حفظهِ مطلباً وغايةً واحدة بعد رضاك عنهم..
وهي حين يُقال: "اقرأ ورتّل وارتق كما كُنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها"
اللهم بجودِك وكرمك بلِّغنا جميعًا وأنتَ راضٍ عنَّا 🤍
تصور صاحب أو صاحبة المصحف وهو يكتب على مصحفه بهذه العناية: على أوراق الملاحظات، يُعَلِّم بالقلم الفسفوري، يكتب على الهوامش..لم يكتفِ بقراءة واحدة، بل يريد أن يتعلم القراءات.
يعيش مع كتاب الله تعالى لحظة بلحظة..على الرغم من الحصار والحرب والقصف والجوع..
عِبرة لنا نحن الذين ابتعد كثير منا عن كتاب الله في أوقات الرخاء..
اللهم اجعل كتابك شفيعاً لصاحب هذا المصحف يوم القيامة..
يقول ابن الجوزي -رحمه الله-:
واعلموا أنه ما مِن عبد مسلم أكثر الصلاة على محمد عليه الصلاة والسلام، إلا نوَّر الله قلبه، وغفر ذنبه، وشرح صدره، ويسَّر أمره، فأكثروا من الصلاة؛ لعل الله يجعلكم من أهل مِلَّته، ويستعملكم بسُنته، ويجعله رفيقنا جميعًا في جنته، فهو المتفضل علينا برحمته.