" أُف لهذه الدنيا! يحبها من يخاف عليها.. ومتى خاف عليها خاف منها.. فهو يشقى بها ويشقى لها.. ومثل هذا لا يكاد يطالع وجه حادثةٍ من حوادث الدهر إلا خُيّل إليه أن التعاسة قد تركت الناس جميعا وأقبلت عليه وحده "
مصطفى صادق الرافعي, المساكين
(دواء الكروب).
والله ما لازم عبد الاستغفار بقلب حاضر إلا أعطاه الله ما يدهشه، وفتح له من أبواب الفرج ما لم يخطر بباله. تظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة، وشهدت له وقائع رأيناها وعايشناها. لكن الاستغفار نفسه توفيق من الله؛ فقد يشتد الكرب، ويغفل المكروب عن دوائه، ولا يُلهم ملازمته إلا من عرف الله في رخائه، فأمدّه الله [به] في شدته. فيا عجباً لمكروب يحمل مفتاح الفرج، ثم يترك بابه مغلقاً! وحسب المستغفر وعد ربه: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
أ.د.خالد أبا الخيل
صح عن نبينا ﷺ أنه قال:
(إنَّ المُؤمِنَ يُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه دَرَجاتِ قائِمِ اللَّيلِ، صائِمِ النَّهارِ)
لعلك يؤلمك قلة قيامك بالليل وصيامك النوافل..ويعز عليك أن يسبقك مَن هم أنشط منك في ذلك..
أمامك فرصة عظيمة: تجاوز عن المسيئين، وأعرض عن الجاهلين، وادفع بالتي هي أحسن، وقل للناس حسنا، وتواضع لعباد الله..
فبِحُسن خلقك قد تبلغ درجات من سبقوك بالنوافل أو تزيد عنهم، وأنت مع ذلك محمودٌ محبوب..
(وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)
ما إن يعرف الإنسان قدر نفسه، حتى يصبح في قلبه ميزانٌ لا يختلُّ، يزن به الناس والأشياء والمواقف. فلا يقبل ودًّا يُذِلُّه، ولا عملًا يهدر كرامته، ولا صحبةً تُطفئه؛ لأن النفوس الكريمة لا تُلقى في كل موضع.
فإن النفس إذا علمت منزلتها، أنذرت صاحبها كلما همَّ أن يُهدر روحه وهمست إليه:
أما بعد، فإنّك لا تنالُ ما تريد إلّا بتركِ ما تشتهي، ولن تبلغ ما تأمُل؛ إلّا بالصّبر على ما تكره، فليكن قولك ذكرًا، وصمتك فكرًا، ونظرك عبرة، واعلم أن أعجزَ الناس من أتْبع نفسَه هواها وتمنى على الله وأن أكْيَسهم من أتعب نفسه وعمل لما بعدَ الموت
- من سلمان الفارسيّ إلى أبي الدرداء
من النصائح الثمينة اللي يحتاجها الإنسان ويذكِّر بها نفسه كل يوم؛ هي إجابة ابن تيمية رحمه الله على سائل اشتكى له الكسل والتشتت في مسارات الحياة وقلة التوفيق والإنجاز وكثرة عوارض الدنيا ومشاكلها، فقال في نصيحته له:
" ثبت بالتجربة أن التنازل المؤقت عن الوظائف اﻹيمانية -كاﻷوراد والتقدم للمسجد وزيارة الوالدين- بهدف كسب الوقت لمهام عاجلة؛ يأتي بنقيض المقصود ".
- الشيخ إبراهيم السكران
أحيانًا لا تكون كثرة الكلام دليلًا على كثرة المعرفة، بل على قلة ما يعرفه الإنسان عن تعقيد الموضوع.
فمن يفهم القضية بعمق يعرف أن وراء كل سؤال أسئلة أخرى، وأن الحكم على الأشياء يحتاج إلى معرفة بالسياق والاستثناءات والنتائج. لذلك يكون أكثر تريثًا في إطلاق الأحكام.
أما المعرفة السطحية فتمنح صاحبها عالمًا بسيطًا: أبيض وأسود، صواب وخطأ، معنا أو ضدنا.
ولهذا قد يكون الصمت أحيانًا علامة على اتساع الأفق، لا على نقص المعرفة.
فكلما اتسعت دائرة الفهم، اتسعت معها دائرة ما ندرك أننا لا نعرفه.
د. عبد الكريم بكار
ضعيفٌ هذا المسكين الإنسان! في بنيته وشعوره وعلمه وعمله، وإرادته، ونيته، معمورٌ بالضعف!
وإنه ليكون في أشرف مقاماته سجودا وركوعا وقيامًا، وهو على وجل من رد العمل، وترك الطريق، وزيغ القلب!
فكيف يكون وهو في معصيته ومقارفته الذنب؟!
ولا نجاة له إلا بالله ودوام الافتقار إليه، والإكثار من سؤاله الثبات والعافية، والنجاة من شر النفس وسوء المنقلب، وغضب الرب تعالى، وخسارة الآخرة.
وإن من البشارة دوام شهودك ذلك الضعف، وكثرة دعائك، وشفقتك على نفسك، ورحمتك بالناس؛ تحب نجاتهم وتستر عوراتهم، وتدثرهم بدعواتك.
يقول الشيخ أحمد السيد: " إذا جمعت في قلبك أثناء دعائك له سبحانه بين هذه المعاني الخمسة، وذكرتها بلسانك، ثم سألته سبحانه مسألتك؛ فأبشر ثم أبشر ثم أبشر فوالله لن يردك سبحانه خائباً:
وهي أن تكون أثناء دعائك:
1- حامداً مثنياً شاكراً
2- ومستغفراً منيباً تائباً
3- ومفتقراً متذللاً منكسراً
4- وموقناً حسَنَ الظن، متوكلاً
5- ومسلّماً ومفوضاً مستسلما
ثم سترى فضله ونعمته عليك سبحانه بإجابة الدعاء وتحقيق الرجاء -ولو بعد حين- ".
كنتُ دائمًا ما أنظر إلى كثير مما يفعله غيري بشيء من الترفع، وأراه مضيعة للوقت، وأظن أن من ينشغل به لا بد أن يكون سطحيا أو تافها، لكنني لم أكن أرى نفسي، ولم أنتبه إلى أنني كنت أقع في أشياء أخرى، وربما كان بعضها أسوأ مما كنت أنتقده في غيري.
ومنذ أن أدركت ذلك، صرت أحاول قدر الإمكان أن أبتعد عما كنت أنشغل فيه، وأن أكون أكثر وعيا بنفسي وبسقطاتي، بدلا من الانشغال بسقطات غيري، وأن أبقي أخطائي في حدودها، فلا تمتد إلى جانبي الديني ولا تتداخل معه حتى لا يصبح ضعف الفتى في موضع ما سببا في إضعافه في موضع آخر.
سبحانك، مثلي يطلب منك الهداية.
117 مليار إنسان يُقدّر أنهم خُلقوا في تاريخ البشر، الممتد تقديرًا إلى 300 ألف سنة.
وباستثناء قلة قلة القلة منهم، دُفنوا وتحللوا ونُسوا، وزالت دنياهم وأحوالهم، ورفاههم ومعناتهم، وكأنهم لم يكونوا.
سوى من شيء واحد سيأخذونه معهم، وسيحاسبون عليه، مكافأةً أو عقابًا، لتتم العدالة الإلهية.
فبعضهم وُلد مبتلى، في «الزمان والمكان الخاطئ»، ولربما آسى وعانى كل يومٍ في حياته، دون أن يستحق قطميرًا من هذا العذاب الدنيوي، وغيره وُلد بعكس حاله، مرفهًا منعما، ولربما ظلم غيره واستلذّ بعذابهم، ثم مات مرتاحًا دونما أي عقاب دنيوي.
ولكن جوهر وجودهم الدنيوي هو أنهم ببساطة في دار اختبار، قصيرة تافهة، ومن تفاهتها أنها سُميت «الدنيا» لانعدام ما هو أدنى منها حتى، ثم سيخلّدون في دارٍ أخرى بحسب عملهم في الأولى.
فذاك المبتلى الأول سيجازى على ابتلاءه إن صبر، وسيتمنى في الآخرة وهو ينظر لدنياه أن لو اُبتلي أكثر، فذلك ببساطة ألم تافه مؤقت وجزاءه نعيم دائم.. حتى الحساب الرياضي يتعطّل مع مثل هذا النوع من الحسابات؛ إذ النعيم اللانهائي لا يمكن أن يفوقه أي ألم مؤقت وإن طال لآلاف السنين، فكيف بـ80 عام أو أقل. أما المغرر الثاني فحالته هي العكس، وخسرانه بيّن: رفاهٌ وظلم مؤقت، ثم عذابٌ دائم.
ومع جلاء هذه الحقيقة، إلا أن المبتلى والمغرور قد ينسيانها، فيتكدّر الأول على حال دنياه، ويستشعر أنه مظلوم أقسى الظلم، ويسعد الثاني معتقدًا أن فوزه بيّن وخالد.
ومن حالات هذا التناسي البشري، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين دخل على حجرة النبي ﷺ ووجد قصور تجهيزها ومؤونتها، قال «ادع الله فليوسّع على أمتك، فإن فارس والروم وُسِّعَ عليهم، وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله». فأجابه النبي ﷺ «أوَفِي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا.»
العمل المؤقت بالغ القُصر الذي سيلحقه نتيجة أبدية فكرة مرعبة. ولكن هكذا تبدو للوهلة الأولى فقط، قبل أن يدرك العبد عظم كرم ربه عليه، الذي يعينه على هذا الابتلاء؛ فالأجر يضاعف، والسيئات تُمحى، بأسهل الأسباب وأيسرها.
غير أن عقوبتين لا يمكن أن تمحى، وحقهما أن يبقيا دومًا مرعبين، لا يخفّف من رعبهمها شيء، وهما الشرك بالله، وظلم البشر. فالأول صرّح الله أنه لا يغفره، والثاني لا مفرّ من حسابه، إذ هو حقّ الناس الذي لا يغفره الله وإن عظم غفرانه.
فمن تجنّب هذين، وأحسن كلما قدر، وتاب كلما أذنب، لبات ابتلاءه سهلًا يسيرًا، فالعقل يقول ذلك، ولكن هل سينفّذ الإنسان العاقل هذا القانون الواضح؟
كلما تقدمتُ في العمر، ازددتُ اقتناعًا بأن الإنسان يقضي جزءًا كبيرًا من حياته وهو يسعى وراء أشياء، ثم يكتشف متأخرًا أن أثمن ما في الحياة لا يُشترى.
يمكن للمال أن يشتري بيتًا... لكنه لا يشتري أسرةً يسكن إليها القلب.
ويستطيع أن يشتري سريرًا فاخرًا... لكنه لا يمنح صاحبه نومًا هادئًا.
ويستطيع أن يشتري دواءً... لكنه لا يضمن عافيةً، ولا طمأنينة.
ويستطيع أن يفتح أبوابًا كثيرة... لكنه لا يفتح باب محبة الناس، ولا احترامهم.
إن أكثر ما يحتاجه الإنسان في حياته ليس المزيد من الممتلكات، وإنما المزيد من المعنى.
ولهذا رأينا أناسًا يملكون القليل، لكنهم يعيشون في سكينة، ورأينا آخرين يملكون الكثير، لكنهم لا يعرفون الراحة.
المشكلة ليست في السعي إلى الرزق، فطلب الرزق عبادة، وإنما في أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح جمع المال مشروع العمر كله.
إن الإنسان يحتاج أن يسأل نفسه بين حين وآخر:
ما الذي سيبقى مني بعد عشرين سنة؟
هل سيتذكرني الناس بما امتلكت؟
أو بما قدمت؟
إن أعمارنا قصيرة، وما نتركه في القلوب أطول عمرًا مما نتركه في الحسابات البنكية.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي ليس فيما نقتنيه، بل فيما نبنيه داخل أنفسنا، وفيما نغرسه في أبنائنا، وفيما نقدمه للناس من علم، أو خلق، أو نفع.
فالأشياء تبلى...
أما الأثر الصالح، فيبقى.
د. عبد الكريم بكار
أيها الشباب (1)
بناتي العزيزات، وأبنائي الأعزاء...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فهذه كلماتٌ من القلب لمن تُعِدُّهم الأمة لمستقبلها، وتحمل فيهم آمالها.
ومن حقكم علينا أن ننقل إليكم بعض ما تعلمناه من خبرات وتجارب، وأنتم بعد ذلك أصحاب القرار والاختيار.
1. لا تعتب على أحد، ولا تنتظر المعونة من أحد إلا الله تعالى. تولَّ شؤون نفسك، وتعلَّم من كل إنسان ما ينفعك.
2. الفشل ليس عدم تحقيق نتائج جيدة، وإنما هو اليأس، والإحباط، والتوقف عن المحاولة. فما دمت تبحث، وتحاول، وتجرب، فأنت في طريق النجاح.
3. ليس هناك طريق قصير إلى المجد، ولا أجوبة سهلة للأسئلة الصعبة، ولا شيء يغني عن العمل. درِّب نفسك على بذل الجهد المنتظم، فهو مفتاح الإنجاز.
4. اجتهد في تحصيل العلم، واكتساب الخبرة، حتى تجد عملًا كريمًا يعتمد على المعرفة أكثر من اعتماده على الجهد البدني الشاق.
5. ابذل في شبابك ما تستطيع من جهد، لتجني ثمرة ذلك راحةً واستقرارًا في مراحل حياتك اللاحقة.
6. الأسرة هي كهف الأمان، والوالدان هما عمادها. فأحسن إليهما، وأكثر من برِّهما وخدمتهما، واسعَ إلى رضاهما.
7. لا تساوم على مبادئك، ولا على كرامتك. وإن ضاقت بك السبل، فتذكَّر قول الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
8. لا تفكروا كما كنا نفكر؛ فأنتم أبناء زمن مختلف، لكن احذروا أن تكرروا الأخطاء التي وقعنا فيها.
9. الذي يجمعنا بكم ليس الشكليات والمظاهر، وإنما القيم العظيمة: الإيمان، والاستقامة، والصدق، والأمانة، والرحمة، والجدية، والمثابرة، وحسن الخلق.
10. الأنانية، والغرق في المصلحة الشخصية، من أخطر أمراض العصر. فاحموا أنفسكم منها بالمشاركة في العمل التطوعي، والخيري، وخدمة الناس.
إن العمل بواحدة من هذه الوصايا بإتقان، قد يكون سببًا في تغيير جانب مهم من حياتكم بإذن الله تعالى.
أسأل الله تعالى لكم المعونة، والتوفيق، ودوام النجاح.
د. عبد الكريم بكار
لا أحب متابعة كرة القدم، وقلبي حاقد على هذا العالم الذي ترك غزة خلفه، وانشغل باللهو واللعب !!
لكن فرحة أهل غزة قبل قليل، وارتجاج الخيام والشوارع والميادين بالهتاف والتكبير، وردة الفعل الجميلة التي قد لا تجد مثلها في شوارع القاهرة نفسها، جعلتني أفرح لفرح هؤلاء المكلومين، وأسعد لسعادتهم، فلم أجد مثل هذه الفرحة منذ ثلاث سنوات مضت !!
ما أعجبك يا غزة، فرغم الحرب والقصف والجوع والخذلان، إلا أن قلوب صغارك وكبارك ما زالت معلقة بالأمة، يفرحون لفرحها، ويحزنون لحزنها، وينبضون بحبها رغم كل ما أصابهم من ترك وخذلان !!
مباركٌ لمصر هذا الفوز، ومباركٌ لأهلها هذا الفرح، نسأل الله أن يجعل الأفراح والسعادة لا تفارق ديارهم، وألا ينسوا غزة وأهلها من صالح دعائهم 🇪🇬❤️