مقطع متداول لجراح أعصاب يقول فيه: "حديثك السلبي مع نفسك يعيد تشكيل دماغك، تحدث مع نفسك كما تتحدث مع شخص تحبه!"
في علم الأعصاب عندنا قاعدة: "العصبونات التي تستثار معاً، تتشابك معاً".
- لما تكرر يومياً جمل مثل: "أنا دائماً سيء" أو "ما راح أقدر"، أنت تعطي إشارة للدماغ ليعزز عملية تقوية التشابكات العصبية ومع الوقت هذا المسار السلبي يتحول لـ "طريق سريع ومستقر" بدماغك، فيصير عقلك ينزلق للسيناريو الأسوأ أسرع وبدون مجهود!
ايضاً، جلد الذات المستمر تقرأه اللوزة الدماغية (Amygdala) كـ "تهديد وجودي":
- يفرز جسمك كورتيزول بصفة مستمرة، وهذا الهرمون بالجرعات العالية يقلل من إفراز بروتين النمو العصبي (BDNF).
- النتيجة؟ تغيرات في خلايا الحُصين المسؤول عن الذاكرة، فيجيك ضباب فكري، قلّة تركيز، وإرهاق عصبي مزمن ��دون سبب واضح!
ليه النصيحة تقول "تحدث مع نفسك كما تتحدث مع من تحب"؟
- لما تلطف نبرتك الداخلية وتغير لغة الحوار، أنت تفعل القشرة المخية جبهية (vmPFC).
- هذي المنطقة تعمل كـ "فرامل" تهدي اللوزة الدماغية، وتخفض الكورتيزول، لتهدئة الجهاز العصبي!
توقف عن كونك الناقد الأشرس لذاتك وعامل نفسك برفق، وغيّر نبرة حوارك الداخلي فكلماتك ترسم شكل تشابكاتك العصبية وصحتك النفسية.
عندما يحرمنا الشعور بالاستحقاق من استشعار النعم التي بين أيدينا..
إذا أصيبت النفس بالاستحقاقية، فإنّها تتوهم خصوصية وحقوقًا غير واقعية!
تتوقع أن تحظى باحترامٍ فريد من الآخرين دون مبرر، وأن تنال اهتمامًا ورعايةً فائقة دون سبب..
وتحاكم جميع من حولها بناء على هذه التوقعات العالية.
وهذه المطالبة العالية للناس لا تسبب مشكلاتٍ كثيرة في العلاقات فحسب..
بل أيضًا تحرم الإنسان من الرضا بقدر العلاقات الطيبة والمعاملة الحسنة التي ينالها!
فهو يرى أنّه يستحقّ أكثر من ذلك، وأن الآخرين مقصّرون في حقّه..
وهذا التمركز حول النفس والشعور بالفردانية والغرور يتمكّن من النفس شيئًا فشيئًا، لدرجة أنّه يمنع الإنسان من الاعتراف حتّى بوجود قصورٍ أو عيوب عنده تحتاج إلى إصلاح.
ولذلك ألاحظ أنّ أكثر من لديهم شعور بالاستحقاقية لا يستطيعون الاستمرار في جلسات العلاج النفسي؛ لأنّهم لا يتقبّلون حقيقة أن لديهم مشكلة.
نعم قد يقصِّر الآخرون في حقك..
لكن أنت أيضًا يجب أن تخفف من المطالبات والتوقعات والاستحقاق.
يجب أن تخرج من هذا الكرسي الملكي الذي أجلست نفسك ع��يه، وستجد فرقًا كبيرًا في صحتك النفسية.
عن الكمالية..
" إنّ السعي العصابي نحو المجد يدفع الإنسان إلى أن يُشكِّل حياته لا كما هي، بل كما ينبغي لها أن تكون ، أي إلى تحقيق صورةٍ مثاليةٍ متخيَّلة للذات تحلُّ محلَّ الذات الحقيقية، التي تُحتقر تبعًا لذلك وتُهجَر"
كارين هورناي، *العُصاب والنمو الإنساني* (1950).
"قل لي .. ماذا أفعل ؟! "
أتلقى بين حين وآخر رسائل من أشخاص يشكون من مشكلة مشتركة: الاضطراب أمام الشهوات، الصراع مع العبادات، الفتور الديني، والإحساس بض��ف الإيمان، وما شابه ذلك.. وتنتهي هذه الرسائل دائمًا بشيء واحد: "قل لي ماذا أفعل ؟! "
وكانت أحدث رسالة تلقيتها اليوم، ولولا مراعاة الخصوصية لحكيت بعض ما ورد فيها، ولكنه يدور حول نفس المشكلات (وهي بالمناسبة مشكلات عامة اليوم)
لهؤلاء - وكذلك لنفسي - سبق أن كتبتُ كلمات أشاركها هنا للفائدة:
▫️أتساءلتَ بحرقة مرارًا: لمَ حين أتقدم خطوة في هذا الدين، أتراجع خطوات ؟!
هذه الكلمات لي ثم لك:
اعلم أن المسألة ليست مسألة صبر مؤقت عن شهوة مؤذية، أو انتظار نتائج فورية لعبادة أديتها.
المسألة أبعد من هذا وأعظم:
المسألة مسألة تغيير نظرتك برمتها عن الحياة، وتأسيسها على الإيمان بالله واليوم الآخر. مسألة صبر دائم طوال العمر، وقوامه عبودية القلب، وانكساره، ومحافظة على الوضوء (فلا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، كما جاء في الحديث)، والصلاة بعد الصلاة (فذلكم الرباط، كما جاء في الحديث)، والأذكار، وغض البصر، وغض البصر، وغض البصر (نعم كررتها ثلاثًا !)، وبر الوالدين، والدعاء، وتبرؤ من صميم قلبك من الحول والقوة إلا بالله، وتفكُّر مستمر في حياتك ومماتك وآخرتك.
استعن بالله وشيّد السد الكبير الذي يصد الطوفان، وليس جداراً قصيرًا تدكُّه موجة صغيرة.
احفر في قلبك: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ▫️