يسعدني أن أشارككم فوزي بجائزة ابن عربي الدولية في إسبانيا عن ديواني: من أين يأتي هذا الموت كله؟ المترجم إلى اللغة الأسبانية والذي ترجمه الأستاذ/ حسين نهابة.
وأرفق هنا الكلمة المقتضبة التي ألقيتها أثناء الحفل:
السيدات والسادة الحضور الكرام
مساء الخير
يسعدني أن أقف اليوم في إسبانيا، الأرض التي عبر منها الكثير من الضوء الى العالم.
أقف لأتسلّم جائزة تحمل اسم ابن عربي، الاسم الذي علمنا أن الثقافة جسرا بين الأرواح واللغات والإنسان.
أود أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى دار نشر سيال بيجماليون والسيد باسيليو والسادة القائمين على هذه الجائزة والسادة الحضور الذي قدموا من أماكن شتى لحضور هذا الحفل، وكل من آمن بأن الشعر ما زال قادرا على أن يجمع البشر رغم اختلاف الأمكنة واللغات.
أهدي هذه الجائزة إلى وطني المملكة العربية السعودية.
الوطن الذي قدمت منه وإلى جميع الذين آمنوا بقدرتي على الكتابة والى كل قارئ وجد في القصيدة وطنا صغيرا يشبهه.
شكرا لكم مرة ثانية".
الحمدلله من قبل ومن بعد🇸🇦
كنت اقرأ كتاب: مي زيادة وأعلام عصرها رسائل مخطوطة لم تنشر 1912-1940 جمع وتحقيق سلمى الحفار الكزبري.
وجدت رسالة من مي زيادة للدكتور يعقوب صروف صاحب مجلة المقتطف تقول في آخر الرسالة: "وما دام (الوابور طلع من القضيب) كما يقول المصريون فلماذا لا أستفيد من طلوعه وأسألك: متى تزورنا؟ متى نراك؟ متى نتخاصم مرة أخرى؟"
أشكل عليَّ المثل ولم أدر ما معناه فسألت الدكتور أحمد كُرَيمّ بلال فأجابني مشكورا وقال:
"الوابور هي التسمية القديمة للقطار وكانوا يسمونه بهذا الاسم منذ ظهور القطار حتى بداية الخمسينات تقريبا والقضيب هي القضبان التي يسير عليها القطار، وهذا المثل عفا عليه الزمن ولا يستخدمه أحد الآن ولكنه موجود في الأدبيات القديمة في العشرينيات والثلاثينيات حتى نهاية الأربعينيات وكنت قرأته في بعض الروايات.
ومعنى المثل: القطار خرج عن القضيب أي أن الأمر متفلت عن صاحبه ولم يستطع التحكم فيه".
لقد ذهب الإشكال وأصبح المعنى واضحا ولله الحمد.
كم من عبارة نقرأها في الكتب ونمضي عنها دون أن نتوقف عندها مع أن وراءها حكاية أو دلالة تستحق التأمل ولعل من أكبر ثمار القراءة أنها تكشف لنا ما نجهله وأنها دائما تذكّرنا بأن معرفتنا محدودة.
شكرا للدكتور أحمد على الجواب الشافي الكافي وشكرا للكتب التي تمنحنا المعرفة وتمنحنا أسئلة جديدة تدفعنا إلى مزيد من القراءة.
لقد خرجت من هذه الحكاية بفائدتين: فائدة لغوية تتعلق بهذا المثل المصري القديم وفائدة أخرى لا تقل أهمية وهي أن سؤال أهل المعرفة يفتح أبوابا قد لا يفتحها البحث الفردي بسهولة.
رزق صديقي عبداللطيف بطفلة سماها ليلى، وأرسلت له في العيد أعايده وأتطمئن على ليلى فأرسل لي مقطعا صوتيا، أنقله لكم حرفيا بعدما استأذنت منه في النشر.
قال: "شعور الأبوة شعور جميل جميل جميل وخاص.
يعني مافيه صباح يشبه الصباح السابق.
أعادت ترتيب العالم من حولنا.
ليلى جعلت لكل شيء معنى جديد لا يكتمل إلا بحضورها.
أصبحت مركز الأشياء ومنتهى الأشياء.
العالم كله انكمش في ملامحها الهادئة.
صار كل ما عداها أقل أهمية، أقل بريق، أقل استحقاق للانتباه.
فيه شيء لا تحدده المسافات ولا يحدده الغياب.
انتظر دائما لحظة العودة إليها.
العمر صار غني، ذاكرة لا تغادرنا.
فيها سكينة تشبه المعجزات الصغيرة.
تفتحت في مخي غرف جديدة وفي قلبي مشاعر لم أكن أعرف أنها موجودة تجاهها.
شيء عجيب يا صديقي شيء عجيب يا صديقي"
انتهى كلامه حفظه الله وحفظها.
يقول المثل العربي: كل فتاة بأبيها معحبة ويا ليت ليلى تعلم بحب أبيها لها.
أليس كلامه قصيدة عذبة؟
أليس هذا هو السحر الحلال.
مع ولادة ليلى ولد أبٌ جديد لم يكن موجودا من قبل وهذا من أعجب أسرار الحياة؛ نظن أننا نربي أبناءنا بينما هم في الحقيقة يعيدون تربيتنا على مهل ويكشفون لنا طبقات من أرواحنا لم نكن نعلم بوجودها.
لعل ليلى حين تكبر وتقرأ هذه الكلمات يوما ما ستبتسم دون أن تدرك أن هناك أبا كان يرى الدنيا كلها في وجهها الصغير وأن رجلا ضخما كان يعد أيامه بمقدار قربه منها. الأبناء لا يعرفون غالبا حجم المحبة التي يعيش بها آباؤهم مثلما لا تعرف الأشجار مقدار الظل الذي تمنحه للمارين.
والخاتمة: ما أجملك يا أبو ليلى.