كيف يُكافأ من وثّق المذبحة بالدم والدموع؟
في خطوة صادمة ومفاجئة، أقدمت شبكة الجزيرة الإعلامية على إنهاء عقود وتسهيلات عمل نحو 25 صحفيًا وعاملًا معها في قطاع غزة. هؤلاء الذين لم يغادروا خيامهم، ولم تبرد كاميراتهم، واجهوا قرار "الاستغناء" في أحلك الظروف الإنسانية والمعيشية التي يمر بها القطاع.
بينما تواصل ماكينة الاحتلال اغتيال شهود الحقيقة، تأتي هذه القرارات الإدارية لتزيد من خنق الصوت الفلسطيني، وتترك فرسان الميدان بلا غطاء قانوني أو أمان معيشي بعد سنوات من العطاء تحت النار.
نقابة الصحفيين الفلسطينيين وصفت القرار بـ"الطعنة في ظهر التغطية"، وطالبت التراجع الفوري عن إقصاء من دفعوا "فاتورة الدم" نيابة عن الإعلام العربي والعالمي.
اللهم إن المرء يمنع رحْله فامنع حِلالك
وانصر على آل اليهود والكافرين اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدرا مِحالك
إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمرٌ ما بدا لك
ولا حول ولا قوة إلا بك
جزء من خطبة القاضي محيي الدين بن زكي الدين عند تحرير القدس:
"…. أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من مائة عام".
نحيي البطل الفلسطـ.ـيني الشهيـ.ـد #فاروق_رمضان الذي أبت عليه غيرته الإسلامية العربية أن يخنع لظلم عصابات المستوطنين الصهـ.ـاينة، فوقف في وجههم أعزلَ، وانتزع السلاح من يد أحدهم؛ فأذلهم به!
وإنها وأيم الحق لآية؛ فعسى أن تتكلل بالفتح المبين عما قريب.
أرى وصايا الشهداء، وأبكيهم كما لو أنهم من أهلي.
وأتعزّى بإحساني الظن بالكريم سبحانه القائل: {ويتّخذ}— قد تتغير موازين العالم، ليستخلص جلّ جلاله ممن شاء وأراد هذي المراتب الشريفة.. هذا الاصطفاء… الذي أسجد له الملائكة الكرام..
سحب الشيخ فاروق رمضان السلاح المجهز من بين يدي حارس المستوطنة، وأطلق منه النار ليقتل الحارس وجندي ثان ويصيب آخرين، خلال تصديه وأهالي القرية لهجوم وشيك للمستوطنين على مسجد القرية ومنازلها. قبل أن يرتقي الشيخ شهيداً، هو وثلاثة آخرون من أبناء تل.
هذه العملية الثالثة في الضفة خلال أقل من 24 ساعة، اثنتان منهما خلال التصدي لهجمات المستوطنين. ذلك ما لم يكن في حسبان "إسرائيل" ومستوطنيها الذين يعربدون ليلاً ونهاراً ويُرهبون الناس المتروكين وحدهم، ويتوسعون على كل شبر في الأرض، ويظنون أن ذلك كله سيمر على الناس المحاصرين دون انتفاض أو انفجار.
لتكون عملية تل، وبالأمس عملية بيت فوريك، حدثاً فارقاً ليس فقط في التصدي لهجمات المستوطنين، والانتقال من الفزعات الشعبية إلى العمليات المسلحة، بل على نفسية الناس وقدرتهم على الوقوف بوجه الهجمات، وكسر الخوف الذي حاولت "إسرائيل" زراعته في نفوسهم في الأعوام الثلاثة الأخيرة؛ بالقتل والأسر. وقد عرّتهم السلطة، حقيقة لا مجازاً، قبل أن تتركهم وحدهم، من أي أداة يمكنهم بها الدفاع عن أنفسهم.
جن جنون "إسرائيل"، وبدأت تتوعد أنها "ستضرب بيد من حديد" وستشن عملية عسكرية واسعة في الضفة؛ أغلقت الحواجز، وبدأت الاستعراض بالدبابات مجدداً في شوارع القرى والبلدات، فيما صعد المستوطنون من هجماتهم على القرى، والتي كان أشدها في تل وصرة وفرعتا وعوريف.
لم تتوقف هجمات المستوطنين حتى كتابة هذا النص، ليس رداً على عملية تل، بل امتداداً لتوحش "إسرائيل" ومستوطنيها وتوسعهم على كل مساحة في الضفة. وما زال الناس يدافعون بصدورهم، فقط بصدورهم، ويحرسون ثغور قراهم ومنازلهم، وفي كل بيت منهم فاروق يستعد لأن يروي الأرض بدمه تصدياً ودفاعاً.
رأيت طفلي عبد الرحمن شارد الذهن ودموعه على خده تسيل، فسألته ما بك !!
فقال لي، بتعرف يا بابا المجـزرة اللي حدثت فجر اليوم وتفحمت فيها الجـثث، وكان الأطفال يصرخون على الشباك إلى أن التهمتهم النيران، قلت مالها ؟!
قال، هذه عائلة أعز أصدقائي في المدرسة، صديقي نعيم، والذي حفظتُ كتاب الله معه، وعشنا مع بعضنا أجمل أيامنا بصحبة القرآن، وقد كان من ضمن الذين ارتقوا وتفحمت أجسادهم، انعقد لساني وسكتُّ ولم أدرِ ماذا أقول له !!
أيُّ جرم ارتكبه أطفال غزة حتى يعيشوا كل هذه الأهوال، أيُّ ذنبٍ اقترفوه حتى يكبروا قبل أوانهم ويذوقوا مرارة الفقد ولوعة الفراق !!
رحم الله الطفل نعيم، وربط على قلب صغيري، وحفظ الله أطفال غزة وسلمهم من كل مكروه وسوء !!
هذا الطفل الجميل اسمه سامي أبو قاسم، كان سامي نائماً الليلة في حضن عائلته وسط غزة، قبل أن يباغتهم صاروخ غادر فيقضي على جميع أفراد أسرته، ويتركه وحيداً في هذه الدنيا الظالمة المظلمة بلا أم تحتضنه، ولا أب يحنو عليه، ولا إخوة يملأون حياته ضحكاً وسعادة !!
لا أستطيع تخيل حجم الوجع الذي سيحمله قلب هذا الطفل، ولا القهر الذي سيرافقه طيلة حياته !!
فاللهم يا جابر المنكسرين، اجبر كسر قلبه، واربط على فؤاده، وآنس وحشته، واخلف عليه خيراً مما فقد، واجعل ما أصابه من البلاء رفعةً له في الدنيا والآخرة !!
اختطف الأمن د. عمرو هيكل عام 2020 مع زوجته ونجلهما. بعد أسابيع سلموا الابن لجده. منذ 3 سنوات، ظهرت الزوجة في أحد السجون فاقدة للنطق والإدراك عقب تعرضها للاغتصاب، ظهر د. عمرو مؤخراعلى ذمة قضية، ثم أُبلغوا أسرته اليوم بالحضور لاستلام جثمانه. منتهى الظلم يا مصر ولن ينجو ظالم بظلمه.
قبل قليل تحتج زوجتي عليَّ: مالك؟ لماذا لا تريد أن تتكلم؟!.. هل هناك شيء؟!
اندهشت حقا، لقد كنتُ أحاول أن أجيبها عما تسأل بما استطعت من الشرح!!
لما جلست الآن أمام هذه الشاشة وبدأت في الكتابة، تجمع عندي تفسير هذه الحالة..
عند الصباح قرأت خبر وفاة المعتقل عمرو عبد النبي هيكل في محبسه، اتصال مفاجئ جاء لأهله: تعالوا خذوا جثة ابنكم!!.. اتصال الموت الذي ينتظره كثير من أهالي المعتقلين، لو كنتم تعلمون!
لكن الأمر هنا لا يقتصر على هذه الحالة، لقد عرفتُ أنه قد أُخِذ من بيته ومعه زوجته وطفله، منذ ست سنوات.. فأما طفله فأطلق سراحه لاحقا (ولا أدري ماذا قضى الطفل من وقت صاعق ومرعب مع شياطين البشر في الأمن الوطني المصري.. وكذلك لا أدري ماذا أحدثت به هذه الفترة من آثار عصبية ونفسية).
لكننا ندري أن زوجته، حين ظهرت في قضية سياسية، فإنها كانت قد فقدت النطق والإدارك لهول ما نزل بها.. وبعض الناس يقولون جرى اغتصابها، وبعضهم لا يؤكد ذلك.. أيا ما كان الآن، المهم أن الفتاة الشابة خرجت من سراديب الشيطان وهي قد فقدت عقلها ولسانها!!
أحسبني قد تلبستني هذه الحالة جزئيا، حالة فقد النطق والإدراك..
فلقد استيقظت وأنا أعلم من تلافيف ذاكرتي أن اليوم هو يوم ذكرى مذبحة سربرنتيشا.. وتلك يا صديقي مذبحة عادية ذهب فيها آلاف من المسلمين يوما ما، برعاية الأمم المتحدة!!
ما جعلها تتحول إلى ذكرى قاسية ومستمرة ليس لأنها كانت شنيعة، ولا لأنها وقعت على المسلمين.. بل لأنها وقعت في أوروبا البيضاء، ولأن الذين ارتكبوها كانوا من المعسكر الشرقي، مخلفات الشيوعية.. ولهذا فإن المعسكر الغربي "النظيف، اللطيف، الشريف..."، يتخذها تكأة ليعبر عن تحضره، وحزنه على الضحايا البيض الذين ذُبِحوا في أرض أوروبا العفيفة!!
لو لم يكونوا مسلمين، ما كان الغرب ليسمح بوقوعها أصلا.. ولكن لأنهم كانوا مسلمين فقد سمحوا بالمذبحة، ثم نصبوا بعدها السرادق لتلقي العزاء، وتكلفوا المشي في الجنازة!
وإذن، فقد استعدت نفسي لتلقي جرعة جديدة من مآسي سربرنتيشا في ذكراها.. فزداني هذا تلجما وفقدا للنطق!!
وصباح هذا اليوم نفسه، شعرت ولأول مرة أني لا أريد أن أفتح تويتر.. إن كل تغريدة أراها هي وحدها مذبحة.. إخواننا وأصدقاؤنا الصحافيون الغزيون، يتحدث كل واحد منهم عن قصة واحدة في تغريدة واحدة، ولكنها حقا: صعقة مدوية..
هذا طفل يبكي ويقول لأمه "هموت ياما"، لأنه يعالج من الفشل الكلوي، وقد نفدت مواد العلاج بفعل الحصار الإسرائيلي..
وهذه فتاة فقدت أطرافها وتنتظر أن يسمح لها بالسفر لتركيب أطراف صناعية..
وهذه صبية أخرى فقدت أطرافها ولكنها لا تحلم بالسفر، إنها تعبث بين الخِيَم وتنتقل على التراب تحاول أن تلعب بما بقي فيها من روح الصبا..
وهذا رجل يشتكي أن ولده ذي السبعة أعوام قد اعتقله الصهاينة لمائة يوم وهو لا يعرف أين كان ولده ثم عاد إليه هزيلا ويحمل جسده علامات واضحة لا ندري أهي علامات ضرب وتعذيب أم هي علامات سوء الظروف التي كان محتجزا فيها..
وهذه امرأة أعطيت لها جثة ولدها في كيس: جمجمة وعظاما، فهي تحتضنها وتنتحب من القهر والظلم، وتقبل جمجمة ولدها وتسعى إلى دفنها..
وطابور من التغريدات، التي لم أعد أقوى على تحملها حقا..
وأشد من هذا العجز ومحاولة الهروب أني لم أعد أجد كلاما يُقال.. الكلام نفد وانتهى والمأساة مستمرة.. الجرح مفتوح ومؤلم ولكن النزيف توقف..
وهذا اعترافٌ آخر بأنني صرت أتجنب ما تنشره صفحات الهيئة العالمية لأنصار النبي (صلى الله عليه وسلم) عن مأساة المسلمين في الهند.. منذ أيام لم أعد أحتمل المزيد، فصرت أعبر على هذه القصص!
وكأي إنسان، لا تفارقني صورة أخي الوحيد، وهو معتقلٌ في السجون المصرية، وذنبه أني أنا أخوه، مع أنه في وادٍ غير هذا الوادي الذي أنا فيه!.. وعلى رغم ما كان بيننا من الخلاف والقطيعة منذ زمن، فلقد كان هو موضع اطمئناني على أمي وهي قد جاوزت الستين، وأبي الذي هو في الثمانين، فليس لهما من يرعاهما غيره!!
وبينما أمرُّ في عالم شبكات التواصل هذه أرى البعض ما زال منغمسا في تحليل مباراة مصر والأرجنتين.. أعذرهم وأتفهم شأنهم، ولكني في هذه الأجواء لا أتحمل رؤية مثل هذا..
ثم تأتينا صور استقبال المنتخب في الصحراء، وعند سكان "إيجيبت"، لنرى هذه السلطة المهووسة المرعوبة التي استنبتت حولها فئتها الغنية، والمنحلة أخلاقيا، والمعزولة اجتماعيا..
ثم يزداد الأمر تفاهة وفكاهة حين ترى #السيسي_عدو_الله قد جعل بينه وبين اللاعبين سجادة حمراء، ووضع لهم نقطة (كنقطة ركلات الجزاء) لا يتعدونها ليتم لهم "شرف" السلام عليه.. فتمَّت بذلك صورة الخائف المعزول المهووس الذي ألقى الله الرعب في قلبه حتى من منافقيه! وسلبه شعور السعادة حتى في لحظات الاحتفال!!
لما تجمعت صورة اليوم عندي، فهمتُ أنه ربما لهذا لم أكن أحسن الكلام حتى مع زوجي في شأن البيت.. هذه الأعباء الثقيلة التي تجثم على الروح جديرة أن تحبس العقل واللسان!
تتبدى لي صورة المقاتل الذي نفدت ذخيرته.. حينها تتحول بندقيته إلى عبء، أليس كذلك؟!
فلا هو بقادر على استخدامها، ولا هو بقادر على تركها.. فلئن أمسكوه بها فهي دليل تهمته، ولئن تخلى عنها فقد تخلى عن أغلى ما يملك، ولا يضمن لنفسه النجاة أيضا!
هكذا هو حال من كان سلاحه القلم لكن نفدت منه المعاني..
أي شيء يمكن أن يُقال في مواساة أهل غزة والضفة؟!.. ودعنا لا نقول في مواساة المسلمين في لبنان ولا إيران (فإن لهم من بعض السلاح والظهير ما قد يعذرنا إن انصرفنا عنهم لأجله)..
وأي شيء يمكن أن يقال في مواساة الأسرى وأهاليهم، ومعهم أهالي الشهداء في مصر، وفي سائر بلاد العرب والمسلمين المنكوبة!!
وأي شيء يمكن أن يقال في مواساة المسلمين في تركستان وبورما والهند والسودان ومالي وغيرها؟!!
ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين..
قُبض اليوم أحد أكبر سفلة العدو، رجلٌ لو مُزج ريقه بماء البحر لمزجه سُمًّا، عتلٌ زنيم، وأحد أخبث المبعوثين في منطقتنا منذ عقود، وهو الذي طالب بلاده أميركا بمنح "إسرائيل" القنابل النووية لإلقائها على غزة خاصةً أنه يرى الكارثة النووية في هيروشيما وناجازاكي كانت قرار صائبًا، وهو الذي خدم في القوات الجوية الأمريكية المجرمة ثلاثة عقود شارك فيها بالحرب على العراق وأفغانستان. ومع ذلك كان يُستقبَل في بعض ديارنا استقبال الفاتحين.
..
قُبض العبد المجرم الفاجر، واليوم يرى ما أشد من القنبلة النووية مليون مرة، رغمت أنفه، وفُضحت سوأته، ونكص دبره، وعاش قومٌ ظن أعمارهم ستنتهي قبل أجله، بسم الله الموت حق، الحمد لله الموت حق، سبحان الله الموت حق، والله أكبر الموت حق!
..
في جحيم وسقر يا ليندسي جراهام اللعين.
هناك شيء يغص القلب من وظيفة اللغة حين تقرأ خبراً بات عادياً من غزة: عائلة كاملة مسحت من السجل المدني. ولا أعرف كيف الإنسان يتحمل عقله وقلبه حين يطالع هذه الصياغات الجافة فلا تسعفه سوى البكاء أمام هول ما جرى وما يجري إلى هذه اللحظة. يارب غزة ويالله بلغها الثأر.