يُغلَق الأقصىٰ، يُعدَم الأسرىٰ، والصّمت واحد.. ولو رأىٰ الجبان حركةً مختلفةً عما اعتادَ لارتَجَف، لكنّ الغُثاء لا يُخيف، والوَهَن لا يُعتَبَر! ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
ليس لأهل غزة ترف الجدل على مواقع التواصل، ولا وقت لديهم لخوض المعارك الكلامية بين الشعوب، فالقصف فوقهم لا يتوقف، والدماء لم تجف، وحياة الخيام القاسية تنغص عليهم معيشتهم، فهم يقفون أغلب وقتهم، ويمضون طيلة يومهم في طوابير طويلة، لأجل الحصول على الطعام، والماء، والخبز، والدواء !!
وما يُسمع من أصوات تثير الفتنة وتؤجج الخصومات بين الشعوب وإن كانت قليلة، فهي لا تمثل أهل غزة، بل تمثل أصحابها فقط، إذ يتم استغلالها، وتسليط الضوء عليها، وتعميمها، والمتاجرة بها لأجل أجندات مشبوهة !!
فأهل غزة يعرفون جيداً من وقف معهم، ومن دعا لهم، ومن بكى لأجلهم، ولذلك لا يحملون في قلوبهم إلا المودة والمحبة لكل الشعوب المسلمة !!
بل إن الذي ذاق مرارة الحرب، واكتوى بنار الفقد، أصدق الناس دعاءً أن يرفع الله هذا البلاء عن الجميع، وأن يحفظ بلاد المسلمين من كل شر وضر وبلاء وفتنة !!
العلمُ كمالُه أن يقترن به الحكمة، وإلا فالعالم الذي لا يريد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما يهواه = سفيهٌ غاوٍ، وعلمُه عونٌ له على الشرِّ والفساد.
ابن القيم في طريق الهجرتين (١/ ٢٣٣).
قال ابن تيمية -رحمه الله- :
"فمن ناقش المؤمنين على الذنوب وهو لا يناقش الكفار والمنافقين على كفرهم ونفاقهم، بل وربما يمدحهم ويعظمهم؛ دلَّ على أنه من أعظم الناس جهلاً وظلماً؛ إن لم ينته به جهله وظلمه إلى الكفر والنفاق".
منهاج السنة النبوية (373/4)
مناجاة كتبها الشهيد القائد عبد الله اللداوي أثناء رباطه في معسكر جباليا
——
أقتربُ مني
هذه الحرب..
جعلتني أقتربُ منّي أكثر ..
أكتشفُ نفسي أمامَ نفسي..
أُعرّي نفسي لنفسي..
جعلتني ملاّحاً فيها ..
رحالةً في خباياها..
عوني دعائي
اللهُمّ عرّفني نفسي..
اللهم شوقاً إليّ..
اللهم إنّي نويتُ ألاّ أكون إلّا نفسي..
يا رب أمِتْ فيّ ما لستُ أنا!
ضلّ يا رب من لا هاديّ له من نفسِه..
يا رب قوّني لأقتلَ فيّ ما لست أنا..
وما زال قلبي يتذكر تلقين شيخي لي:
قتلُ النفوسِ حياتُها .. مَنْ شاءَ يُحيّيها يموت
أقتل نفسي؟!
نعم .. نعم
آه كم يحييني هذا!
****
من أنا؟ من أنا؟
أنا ذرة في كتاب اللّٰه المنظور..
أنا آية في كتاب اللّٰه المسطور ..
أخذْ ربّي منِّي عهداً وأنا في صُلب أبي..
لا تتركنا.. لا تتركنا
وابقَ على عتبة باب عبوديتنا..
حتى لو أغلقنا في وجهك الباب..
وطردناك..
وأمسكنا عليك رزقك..
وأشقيناك بزوجةٍ غاضبة..
وولد عاق!
وابتليناك..
بنقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات..
لا تبرح.. لا تبرح.. لا تبرح والزم بابنا.. وأدم الطرق..
ولا تغادره ..
يوشك أن يُفتح لك..
لكني يا رب
ضللت طريق عبوديتك..
وانفككتُ عن عُصبة الخير والبر..
فصرت كالغنمة القاصية..
في قطيع العاصين والمذنبين..
فانقض عليّ شيطاني..
في غفلةٍ من نفسي..
عن نفسي..
وعن دربي..
وعن إخواني..
وعنك!
فضاعت مني صلوات..
ونسيتُ الفجر حاضراً..
وتركت الشروق وصلوات الضحى..
وشُلّ لساني عن التسبيح..
وانشغل بغيبةٍ ونميمةٍ وثرثرة..
وخوضٍ في أعراض إخواني..
وأطلقتُ بصري في الحرام..
وتكاسلتُ عن نشاطي الدعوي..
بإغراء شيطاني أنّي قيادي!
فتركت مجلسي التربوي..
بتدليس إبليس أنّي قد تجاوزت!
وأن التربية للناشئين الصاعدين!
ولم أعُد أشهد نشاطات مسجدي..
حتى لا يراني غيري بأني أُرى!
وأنّ عندي وقتاً أقضيه مع إخواني..
فتنفضح كذبتي الكبرى: إني مشغول!
وتباطأت عن تسديد الاشتراك المالي..
خوفاً من الفاقة والفقر..
يا اللّه كم أُسيء الأدب معك!
أخشى الفقر والفاقة وأنت ربي؟!
وعدتني أن الرزق والأجل بيدك..
لكنني ما سمعت منك..
وأغراني شيطاني..
فزللتُ.. وأزللت!
واشتكى وردي من ورودي..
وهجرته تلاوةً وسماعًا وتدبرا..
فران قلبي..
ثم ران..
ثم أصبح كالكوز مُجخيّا..
لا يعرف معروفًا..
ولا ينكر منكرًا..
يا الله..
ماذا فعلتْ نفسي بنفسي؟!
كنت حمامة مسجدي..
أنتظر الصلاة إلى الصلاة..
أقف خاشعاً في الصف الأول..
أُنافسُ عليه المُصلّين..
ثم أصبح التأخر لصيقاً بي..
وصفةً لي..
ولا يزال قوم يتأخرون في الدنيا.. حتى يؤخرهم الله في الآخرة.. واحدة بواحدة..
وما كان ربك بظلّام للعبيد!
****
ربِّ
أعنّي لأكون عبدك..
يقظاً بك.. بصيراً بصراطك..
محاسباً لنفسي..
تواباً من ذنوبي..
منيباً إليك.. معتصماً بك..
فاراً منكَ إليك..
مراقباً لك..
منيباً ..
خاشعاً لك مخبتاً..
محسن الظن بك..
****
يا رب..
عبادك يرتقون الدرجات..
وأنا ما زلتُ من دركةٍ إلى دركات..
يا رب..
رحمتك، وعفوك، ولطفك، ورضاك..
حطّم صنمي..
واجعلني عند نفسي صغيراً..
انقلني من الدركات إلى الدرجات
واجعلني من أهل المدارج..
وطلاّب المعارج..
واجعلني من عبادك..
السائرين بك إليك..
الذين يعبدونك حق عبوديتك..
ويتنقلون منك وإليك
بين منازل
"إياك نعبد وإياك نستعين"..
الراجي عفو ربه/ أبو عبيدة
الجمعة 13 محرم 1446هـ
الموافق 2024/07/19 م