سيره :
"من وراي الغيّ مايهدا وقدّامي القيامه
شايل بصدري ذنوب وخوف وآيات وأغاني
ومثل من يطلب سماح الميل في ظل استقامه
أدخل المجني عليه الليل وأغادره جاني
ويذّن الفجر وأنا المهزوم في صوت الإقامه
وأتوضى من دموع الخوف يوم الله دعاني"
من خلقني ربي وأنا أسمع بالمجالس عن الحروب القادمة، الكساد، غلاء الأسعار، قل الوظائف
ويا ويلنا من اللي جاي هاه!
ولما نسمع هالكلام عقولنا البشرية رابطة الجهد بالحصاد فإذا الدنيا خربانة خلاص إحباط
بعدين سبحان الله، جلست أتأمل حديث الرسول ﷺ وقرأته بطريقة ما عمري انتبهت لها: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل»
ليش استخدم هنا كلمة فسيلة بالذات؟
لأن الفسيلة تحتاج سنوات عشان تكبر وتثمر.. وش التجسيد البطيء في عالم يشارف على الانتهاء؟ عجيب!!
وفهمت أن الغرس ليس رجاءً بمستقبل دنيوي، بل هو موقف أخلاقي إيماني ثابت لا يتغير بتغير الظروف وفعلاً المؤمن هو هذاك الثابت على مبادئه حتى لو تغيروا كل الناس
فعندنا التزام لا يسقط حتى لو سقط العالم، الفكرة هذي تخلينا نرفض دور المتفرج الخايف.. أشوفه شريف الإنسان اللي يركز بسلامة خطوته، ومقصده حاضر وطيب رغم كل شيء يصير حوله
وهذا بن جدلان يدعمك:
الا يا وليفي سيطرتكم تولتني
كتب حبكم في القلب وموضحٍ كتبه
ومدغم ابو شيبه يحسمها:
لك الولايه وورث القلب والبيعه
المُلك لله…ثم إليك مولاتي
مساء الخير
الرجل ما يخاف من المرأة اللي تقرأ يخاف من المرأة اللي تسوق السيارة أو تسوقه هو وتطوّعه حسب هواها: «جابها حب القصايد في طريقي لين صارت
تلعب بقلبي مثل لعب الهبايب في شعرها»
مستملحة مرة تعريف الحب عند زكي مبارك: «الحب هو أن تذوب القسوة في كوثر الحنان، وأن تأنس الأسود إلى فتكِ الظباء» وزي ما قالت سيدة الشاشة العربية كلام فارغ لكن لذيذ.
وأنت بتقرء في المصحف.. حاول تشوف السورة إللي بتقرأها مكيّة ولا مدنية
ده هيفرق في إيه؟
هيفرق في كل حاجة..
الشيخ الشعراوي كان بيقول إن تمييز السور مكية أو مدنية يعتبر نصف التدبّر..
إزاي يعني؟
السور المكية بتتكلم عن العقيدة.. معظمها شرح لمقاصد الدين في العموم..
مفارقة بين الشرك والتوحيد.. فيها شروح لمشاهد من يـوم القيـامة.. فيها نظرة الله للقلوب وللصدور وللنوايا وشرح لصفات الله وقدراته .. فيها ملخص وموجز ما جاء به الإسلام كرسالة خاتمة لما قبله..
المخاطَب في السور المكية مُشركين.. كُــفار.. نصارىٰ.
أما السور المدنية فبتتكلّم عن أحكام.. معظمها شرح لتفاصيل ومعالم وطرق العبادات.. مفارقة بين الإسلام والإيمان والإحسان والإخلاص.. مشاهد من عصيان الأمم السابقة وموجز الخطايا إللي وقع فيها أهل القرى وبنو اسر|ئيل.. بحيث إننا نتعظ.. ونتأسّى بالنبي ﷺ.. ونعبد كما أمرنا الله
المُخاطَب في السور المدنية مُنافقين..
طيب وده هيفرق في إيه مع القارئ العادي؟
أولاً..
تعرف الظروف الزمانية والمكانية لنزول الآيات.. فتبقى مستحضر الحالة والموقف عشان تفهم سياق الآيات.. ليه ربنا اتكلم عن عذاب أو اتكلم عن مغفرة.. أو شدّد التحذير أو الترغيب..
ثانياً..
تفرق بين آيات الأحكام وآيات العبادات وآيات النهي.. تفرق بين لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى وبين انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجسٌ .. تفرّق بين وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وبين ويحذركم الله نفسه أو إن عذابي هو العذاب الأليم..
ثالثاً..
تدبّر معاني القرآن بيحتاج انك تفهم التسلسل إللي نزلت بيه الآيات.. مش تسلسل زمني قد ما هو تسلسل نفسي.. يعني الحالة اللي بتتملكك وأنت بتقرأ سورة طه المكية .. مختلفة تماما عن حالة سورة التوبة أو النور أو الرعد.. وكلها سور مدنية..
آخر نقطة..
أنت عايز إيه من القرآن؟
كل سورة في القرآن هي جزء من منهج دنيوي..
مينفعش تبدأ المنهج من الآخر..
سورة النساء مثلاً من أوائل السور عشان فيها معظم أحكام الزواج وحقوق النساء المكتسبة بعد نزول الوحي..
عكس سورة الطلاق إللي هي من أواخر السور..
فنصيحة يعني.. متفتحش المصحف على أي حاجة ويبقى كله بالنسبالك واجب وبتقضيه..
تدبّر القرآن ومحاولة فهم معانيه بيخلي عندك بصيرة وفهم لأشياء مكنش عندك تفسير ليها قبل كده..
أقرأ القرآن بنية التائه الذي يرجو الهُدى..🤍
﴿وهو الولي الحميد﴾
”من أسرار اقتران اسم (الولي) بـ(الحميد): أن الله ﷻ يتولى شؤون عباده، ويدبر أمورهم؛ على نحو يستوجب الحمد والثناء“.
سبحانك ربي ما أعظمك!
اللهم إن محمد المالك في ودائعك وأنت خير من تودع عنده الودائع اللهم إنه بين يدي رحمتك وبين وسع كرمك اللهم أحسن مدخله ونوّر قبره ووسّع مرقده يا رب. واجعله في نعيم لا يفنى اللهم اجعله منعمًا مكرمًا مطمئنًّا واجعله من أهل الجنات والنعيم وارحمه برحمتك يا أرحم الرحمين.
في مرافئ الحنين: من «مادلين بروست» إلى «نجر نورة».
يقول الأديب الفرنسي مارسيل بروست في رائعته "البحث عن الزمن المفقود"، الذاكرة ليست مجرد استدعاء ذهني، هي حاسةٌ تكمن في الأشياء. في مشهدٍ يعد من أشهر المحطات الأدبية قاطبة، استعاد بروست طفولته كاملةً بمجرد أن غمس قطعة كعك "المادلين" في كوب شاي؛ انبعث الماضي من فنجان، وعاد الزمن المفقود ليتحسس ملامحه من جديد. لقد كان بروست يرى أن الأشياء تخبئ أرواحنا داخلها، وتنتظر لمسةً أو صوتًا أو طعمًا لتعيدنا إلى بيوتنا الأولى.
في رحلتي الارتجالية إلى سوق الزل لم أكن أبحث عن سلعٍ قديمة، اذ وجدتُني دون قصدٍ في حضرة "زمن بروست" لكن بنكهةٍ نجدية أصيلة.
لذا سألتُ المسنين الذين اجتاح الزمن ملامحهم وترك آثاره تضاريسًا تبرهن مرور العمر:
"إلى ماذا تحنّون من الماضي؟".
وجدتُ العم سعد يعيد صياغة مشهد بروست بطريقته الخاصة؛ لم يغمس كعكة في شاي، لكنه أجاب على سؤالي برفع "النجر" من الأرض، وبدأ يدقّه أمام دهشتي، ليبعث من صدى النحاس طيف والدته "نورة الدوخي". قال أن أمه كانت تدق النجر دائمًا، فيتردّد رنين الصوت في حنايا بيتهم القديم. قلت له بتهذيب أنني لن أذكر اسمها، لكنه أوصاني بشيء من -الغضب- والشدّة على ذكر اسمها في أيًا مما سأفعله، وكأنّ اسمها هو التميمة التي تحفظ طفولته من الزوال.
رأيت العم مفلح مع ابنته وحفيده، يقف أمام الأنتيكات وكاسيتات بشير شنان ومشعل الخالدي. قال لي وهو يقلّب أرشيف الذاكرة بابتسامة عذبة انه يحنّ للأصدقاء حين كانوا يسكنون "المنفوحة"، واستدرك بأسى وديع أن تآلف الماضي لا يُقارن بتاتًا بمعدن الحاضر.
أما العم أبو تركي، فكان حنينه لرفيقة درب قضى معها خمسين عامًا، فقال:
"الزمن الماضي كلو حلو وخاصةً ام عيالي اعتبرها احلى شيء بحياتي، عشت معها خمسين سنة، ولو ترجع الأيام؟ أخذتها من جديد" مؤكدًا أن الحبّ الحقيقي هو لزومٌ لا يبتغي عنه المحب بدلاً. ثم ابتسم وقال أن العديد من الطلاب يأتون إليه، لكنني فاجأته بسؤالي.
بينما علمني "ملك المسابح" -كما يسمونه في السوق- فلسفةً مذهلة؛ أن الحنين لكل مافات من راديو وبيجر وهاتف سلكي وأشخاص غادروا عتبات الدنيا، والغربة التي نشعر بها في خريف العمر هي "لطفٌ إلهي" يجعلنا لا نهاب الموت، لأن أغلب ما نحبّ قد أصبح هناك..في الجانب الآخر المجهول.
وبجانبه رجل آخر سمع حوارنا وشاركنا اياه، قال لي انه أتى للسوق قبل مدّة ليبحث عن "مغزل" فقط، وكأنه بهذا يغزل وصلاً أزليًا مع أمه التي كانت دائمًا ما تغزل.
وفي زاوية السكون، كان العم أبو عبدالعزيز وهو الأكبر سنًا، يتجاوز الحنين بالذاكرة إلى الحنين "بالفعل". فقد أعاد إحياء مزرعة والده بكل تفاصيلها؛ زرع نفس الزرع، أتى بنفس أنواع الدواجن والمواعز، بل واستلّ من نسل كلاب والده-أعز الله القارئين- كلابًا لمزرعته، وكأنه يرفض أن يغادر والده الوجود.
كان يضحك ويكرّر علي في حديثنا المطوَل بلهجته النجدية:
"ما أقولتس التاريخ يعيد نفسه؟".
برغم شيب الرؤوس وتعرجّات السنين التي اجتاحت ملامحهم، ظلّ هؤلاء الأشخاص يحنّون لنداء البدايات؛ فأحدهم يستحضر أمه برنين نجر، والآخر يقتفي أثرها بمغزل، والثالث يعيد إحياء مزرعة والده، وآخر يسترد ألفة الصحبة القديمة والحواري المهجورة، وآخر يجدد عهود الوفاء والحبّ بالحنين. وكأنّ العمر كُلّه ليس إلا رحلة عودة لدفءٍ غادرناه يومًا، ولم يغادرنا قط.
غادرتُ سوق الزل وأدركت حينها أننا نكبر لنعيد صياغة من نحبّ في تفاصيل منسية كما تقول فيروز، لا لننسى. وتعلمت أن الحنين هو ذلك الخيط الخفي الذي يربطنا بما فقدناه، ويجعلنا نبتسم برغم الغصة، مردّدين مع العم أبو عبدالعزيز:
"التاريخ ما يموت، التاريخ يعيد نفسه" لكن في قلوب المحبين.