كنتُ مسافرًا ذات يوم إلى ماليزيا، وبينما كنا في الجو، سمعتُ أحد الركاب يصرخ مستغيثًا، ولم يكن على متن الطائرة وقتها أي طبيب. وإذا بشاب يسارع إلى إسعاف الراكب، وقال إنه ممرض.
المدهش أنه تصرّف كما يتصرّف الطبيب الماهر، وبشكل قيادي واضح، وصار الجميع مساعدين له. وبالطبع لم نكن قادرين على معرفة مدى صواب ما يقوم به، لكننا أذعنّا جميعًا له!
ذكّرني ذلك بالحالة الثقافية المتردية التي نعيشها؛ فمع غياب الأساتذة الكبار، والمرجعيات المتخصصة، وقادة الفكر المتميزين، صار لدينا ملايين الناس الذين يتحدثون عفو الخاطر في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والعلاقات الدولية، من غير أي معرفة معمقة وموثوقة، وصار على بقية الناس سماع ما يقال واتخاذه أساسًا للتفكير والتحليل، تمامًا كما فعل ركاب الطائرة حين استسلموا للممرض!
وقد حذّرنا نبينا ﷺ من هذه الوضعية حين قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا».
لدينا جماعات وتيارات إسلامية كبيرة، وليس لدى أيٍّ منها خمسة أساتذة كبار يقومون بتوصيف الواقع السياسي والاجتماعي بدقة، وليس لدى أيٍّ منها مركز دراسات واحد مرموق يقوم بترشيد قراراتها!
والنتيجة: تخبّط هائل، والانتقال من انتكاسة إلى أخرى، حتى إن بعضها تحالف مع الظلمة والقتلة، وركن إلى الظالمين على أساس أن ذلك من الحكمة وفقه الواقع.
إن الخبراء الكبار وقادة الرأي العظام هم النظارة التي نرى من خلالها أنفسنا والعالم من حولنا، وبغيابهم لا نرى الأشياء على حقيقتها.
إن أعظم صرح علمي شيّده المسلمون في تاريخهم هو الصرح الفقهي، الذي قام على جهود الفقهاء العظام في المذاهب الأربعة.
فكيف تكون الحال لو كان لدينا ثلاثون مذهبًا يناقض بعضها بعضًا؟ وكيف تكون الحال لو لم يكن لدينا أي مذهب فقهي؟
لقد آن الأوان لتدارك هذا الأمر، وبذل الفكر، والجهد، والمال السخي في سبيل تنشئة جيل جديد من الباحثين الكبار في العلوم الإنسانية على وجه التحديد، وفي سائر أنحاء العالم الإسلامي.
د. عبد الكريم بكار
لماذا يسرح الإنسان في الصلاة رغم أنه يريد الخشوع؟
يبدأ كثير من الناس صلاتهم بنية صادقة في الخشوع، ثم لا يلبث العقل أن يبتعد. فجأة يتذكر موعدًا، أو حوارًا قديمًا، أو مهمة لم تُنجز، أو مشكلة تؤرقه. وقد ينتهي من الصلاة وهو لا يكاد يتذكر ماذا قرأ، أو كم صلى من الركعات.
وهذا يجعل كثيرين يشعرون بالحزن، وربما بالذنب، ويظنون أن ضعف الخشوع دليل على ضعف الإيمان. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالدماغ بطبيعته لا يتوقف عن إنتاج الأفكار، وهو يميل إلى الانشغال بما يشغل صاحبه طوال اليوم. فمن يقضي ساعات طويلة بين الهاتف، والأخبار، ورسائل العمل، ومقاطع الفيديو السريعة، ثم يقف للصلاة، يجد أن ذهنه يحتاج وقتًا لينتقل من ضجيج الحياة إلى سكينة العبادة.
ولهذا فإن الخشوع ليس حالة تأتي تلقائيًا، بل مهارة تحتاج إلى تهيئة ومجاهدة، كما يحتاج الجسد إلى تدريب حتى تزداد قوته.
ومن أكثر ما يعين على الخشوع أن يسبق الصلاة شيء من الاستعداد النفسي؛ كالتبكير إليها، وإتمام الوضوء بهدوء، واستحضار أن هذه الدقائق لقاء مع الله لا يشبه أي لقاء آخر.
كما أن فهم معاني ما يُقرأ في الصلاة يجعل العقل والقلب يسيران في الاتجاه نفسه، فلا تبقى الكلمات ألفاظًا مألوفة، بل تتحول إلى معانٍ حاضرة تؤثر في النفس.
ولا ينبغي أن يتحول الشرود إلى سبب لترك المجاهدة. فكلما عاد الذهن إلى التفكير في أمور الدنيا، كانت إعادته برفق إلى الصلاة جزءًا من العبادة نفسها. وقد كان الشيطان يحرص على تشتيت المصلي، لأن الصلاة الخاشعة من أعظم ما يزكي القلب.
الخشوع ليس أن يخلو الذهن من كل خاطر، وإنما أن يعود القلب إلى الله كلما ابتعد، وأن تستمر هذه المجاهدة حتى تصبح الصلاة راحةً للنفس بعد أن كانت معركةً مع الشرود.
د. عبد الكريم بكار
🔹
أتابع فرحة الأشقاء السوريين بالقبض على بعض المجرمين الذين ارتكبوا الفظائع في سنوات المحنة، فيسرح بي الخيال إلى مشهدٍ أعظم، يوم يقف الظالمون جميعًا بين يدي الله تعالى:
هناك:
• لا يضيع حق
• ولا يفلت مجرم
• ولا تنفع سلطة،
• ولا تحجب حقيقة
• ولا ينجو صاحب نفوذٍ بنفوذه.
هناك:
يكون القصاص الكامل، أمام العدل المطلق، الذي جعل مقياسه (مثقال الذرة):
• فلا تُظلم نفسٌ
• ولا يُغفل عن شيءٍ
• ولا تُنسى دمعةٌ ولا تنهيدةٌ.
فما أعظم فرحة المظلوم حين يرى عدل الله وقد تجلَّى!
وما أشد حسرة الظالم حين يوقن أن كلَّ ما ظنه قد مضى محفوظٌ في كتاب!
"ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلمُ ربُّك أحدًا".
أيها الشباب (1)
بناتي العزيزات، وأبنائي الأعزاء...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فهذه كلماتٌ من القلب لمن تُعِدُّهم الأمة لمستقبلها، وتحمل فيهم آمالها.
ومن حقكم علينا أن ننقل إليكم بعض ما تعلمناه من خبرات وتجارب، وأنتم بعد ذلك أصحاب القرار والاختيار.
1. لا تعتب على أحد، ولا تنتظر المعونة من أحد إلا الله تعالى. تولَّ شؤون نفسك، وتعلَّم من كل إنسان ما ينفعك.
2. الفشل ليس عدم تحقيق نتائج جيدة، وإنما هو اليأس، والإحباط، والتوقف عن المحاولة. فما دمت تبحث، وتحاول، وتجرب، فأنت في طريق النجاح.
3. ليس هناك طريق قصير إلى المجد، ولا أجوبة سهلة للأسئلة الصعبة، ولا شيء يغني عن العمل. درِّب نفسك على بذل الجهد المنتظم، فهو مفتاح الإنجاز.
4. اجتهد في تحصيل العلم، واكتساب الخبرة، حتى تجد عملًا كريمًا يعتمد على المعرفة أكثر من اعتماده على الجهد البدني الشاق.
5. ابذل في شبابك ما تستطيع من جهد، لتجني ثمرة ذلك راحةً واستقرارًا في مراحل حياتك اللاحقة.
6. الأسرة هي كهف الأمان، والوالدان هما عمادها. فأحسن إليهما، وأكثر من برِّهما وخدمتهما، واسعَ إلى رضاهما.
7. لا تساوم على مبادئك، ولا على كرامتك. وإن ضاقت بك السبل، فتذكَّر قول الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
8. لا تفكروا كما كنا نفكر؛ فأنتم أبناء زمن مختلف، لكن احذروا أن تكرروا الأخطاء التي وقعنا فيها.
9. الذي يجمعنا بكم ليس الشكليات والمظاهر، وإنما القيم العظيمة: الإيمان، والاستقامة، والصدق، والأمانة، والرحمة، والجدية، والمثابرة، وحسن الخلق.
10. الأنانية، والغرق في المصلحة الشخصية، من أخطر أمراض العصر. فاحموا أنفسكم منها بالمشاركة في العمل التطوعي، والخيري، وخدمة الناس.
إن العمل بواحدة من هذه الوصايا بإتقان، قد يكون سببًا في تغيير جانب مهم من حياتكم بإذن الله تعالى.
أسأل الله تعالى لكم المعونة، والتوفيق، ودوام النجاح.
د. عبد الكريم بكار
ماذا يحتاج الطفل أكثر من الحب؟
يظن كثير من الآباء أن الطفل إذا شعر بأنه محبوب، فقد حصل على أهم ما يحتاج إليه.
والحب نعمة عظيمة... لكنه وحده لا يكفي.
فقد ينشأ الطفل في بيت يغمره بالحب، لكنه يخرج منه ضعيف الإرادة، قليل المسؤولية، لا يعرف لماذا يعيش، ولا ماذا يريد أن يكون.
ذلك لأن الطفل يحتاج إلى شيء قد يغفل عنه كثير من المربين...
إنه المعنى.
فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده... ولا بالمشاعر وحدها.
بل يعيش أيضًا بالغاية. ومنذ سنواته الأولى، يبدأ الطفل في طرح أسئلة تبدو بسيطة:
لماذا أصلي؟
لماذا أقول الصدق؟
لماذا أساعد الآخرين؟
لماذا أدرس؟
إذا كانت الإجابة دائمًا:
"لأننا هكذا."
أو:
"لأنني قلت لك."
فإن الطفل يتعلم الطاعة... لكنه لا يتعلم المعنى.
والطاعة التي لا يسندها وعي، تضعف عند أول اختبار.
ولهذا كان القرآن يبني المعنى قبل الأمر.
يبني الإيمان قبل التكليف.
ويبني القناعة قبل المسؤولية.
ولهذا كان النبي ﷺ يربي أصحابه على فهم الحكمة، لا على تنفيذ الأوامر مجردة من الفهم.
إن الطفل الذي يعرف لماذا يفعل الشيء... أثبت ممن يعرف كيف يفعله فقط. ولهذا فإن من أعظم ما يقدمه الوالدان لأبنائهما، ليس كثرة الأشياء، وإنما كثرة المعاني.
أن يعرف الطفل أن العلم عبادة.
وأن العمل أمانة.
وأن الصدق قوة.
وأن الإحسان رفعة.
وأن النجاح ليس أن يتقدم على الناس...
بل أن يقترب من الله، ويزداد نفعًا لعباده.
وحين يكبر هذا الطفل، لن يحتاج في كل خطوة إلى من يراقبه.
لأنه يحمل في داخله بوصلة تهديه.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل أب وأم ليس:
هل أبناؤنا يشعرون أننا نحبهم؟
بل:
هل نمنحهم معنى يعيشون من أجله؟
فالحب يمنح الطفل الدفء... أما المعنى، فيمنحه الاتجاه. والإنسان قد يواصل السير سنوات طويلة إذا عرف إلى أين يسير.
د. عبد الكريم بكار
#السعوديه_اسبانيا
رجل موفق..
"خسر مشروعه محطة بنزين بكامل خدماتها" ثم تركها وغادر،
ولكنه لم يترك بيت الله #المسجد
حيث اهتم بالمسجد وبفرشه وبمكيفاته وبرادات ماء، وكذلك وضع عامل خاص لتنظيم المسجد على مدار الساعة، وتنظيف دورات المياه، وأيضا وضع بئر ماء مجانا على مدار 24 لأصحاب المواشي.
يقول المولى عز وجل:
﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾
#السعوديه
بعض الأئمة ..
في تكبيرات الانتقال في الصلاة :
يَمُدُّ التكبير ويُطَوّله حتى تجد كثيرا من الناس .. بل مِن طلبة العلم من يسبِقه في جميع الصلاة !
وقد نبّه جماعة من السلف إلى أن "التكبير والتسليم جَزمٌ" أي: يُسرَع فيه ولا يُمَطّط كما فسّره الأئمة كالشافعي وأحمد (ومرادهم: جعلهما على لفظٍ معتدل، ليس بتمطيط ولا إسراع شديد)
بل ذهب جماعة منهم الإمام أحمد إلى أن المأموم تبطل صلاته بهذه المسابقة ..
وأشار العلماء إلى أن الإمام بفعله هذا:
إما أن يُعَرِّض المأمومين إلى الإثم أو فساد صلاتهم ، وأشار إلى ذلك أحمد فيما نقله عنه ابن رجب ..
فمِن علامة فقه الإمام عدم تمطيط التكبير والسلام .. كما قاله العلماء !
ولا يقال: المأموم هو المخطئ مطلقا والواجب عليه انتظار الإمام ..
بل يقال: كلاهما مخطئ.
ولا يقال ذلك أيضًا إلا إذا كان التمطيطُ سُنّةً .. ولا سُنّة هنا ..
بل فَعَل الإمامُ فِعلا أوقَعَ الناسَ في الإثم !
والواجبُ التعاونُ على البر والتقوى ..
وفاة المؤذن الهندي أثناء نطقه بالشهادة في الأذان ، اليوم 9 يونيو، توفي المؤذن الهندي 🇮🇳 عبداللطيف في أحد مساجد كيرلا جنوب الهند أثناء رفعه الأذان، وبعد أن تلفّظ بالشهادة خرّ صاعقًا على الأرض. يا لها من خاتمة يتمناها كل مؤمن. رحمه الله رحمة واسعة، اللهم ارزقنا حسن الخاتمة يارب .