ما لم يأخذه الموت
للموت سلطانٌ على الأجساد، ولكنه يقف عاجزًا أمام أشياء لا تبلغها يداه.
يأخذ الوجوه عن العيون، ويُسكت الأصوات، ويترك الأماكن موحشةً بعد أهلها، لكنه لا يستطيع أن ينتزع من القلب من اتخذه وطنًا، ولا أن يمحو أثرَ روحٍ كتبت حضورها في العمر.
رحلتِ، وبقي العالم على صورته، غير أن شيئًا في القلب لم يعد كما كان. وما زلت أفتقد تلك الدعوات التي كانت تسبقني إلى السماء، فأمضي في طريقي راجيًا لطف الله، متذكرًا أن وراء كل دعوةٍ صادقة أثرًا قد لا يراه الإنسان إلا بعد غياب صاحبها.
عامٌ من الفراق...
يمضي الزمن، ويحسب الناس أعمارهم بعدد السنين، ثم يكتشفون أن العمر لا يُقاس بطول الأيام، وإنما بما يودعه الله فيها من بركة.
مضى عامٌ على رحيلك يا أمي، وزادت أيام عمري، ولكنها فقدت شيئًا من بركتها. وما علمتُ أن دعاء الأم من بركة العمر إلا حين افتقدته.
لكن دون مبالغة في المظاهر أو الماركات، فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يرتديه، وإنما فيما يحمله من علم وأدب.
وقبل أن نشتري الحقيبة والدفاتر، لنجلس مع أبنائنا ونسألهم:
ما الذي تتمنى أن تحققه هذا العام؟
فقد تكون كلمة تشجيع، أو هدفًا واضحًا، بدايةً لعامٍ مليء بالنجاح.
التعليم... مظهر أم جوهر؟
مع بداية العام الدراسي، من الجميل أن نهتم بمظهر أبنائنا، لكن الأجمل أن نهتم بما هو أبقى: حبُّ العلم، وحسنُ الخلق، ووضوحُ الهدف.
لا بأس أن نمنح أبناءنا فرصة لاختيار بعض مستلزماتهم الدراسية،
كلما تقدم بنا العمر أدركنا أن الزمن لا يأخذ منا الأيام فحسب، بل يحوّل الحاضر إلى ذكرى، والواقع إلى حكاية. وما نظنه ثابتًا ينساب بهدوء إلى الماضي، حتى نرى أنفسنا واقفين حيث وقف من سبقنا. فكما نتذكرهم اليوم ونجدد لهم الدعاء، سيأتي يوم نصبح فيه نحن ذكرى في ذاكرة الآخرين
نشعرُ أن البيوت وإن ازدحمت بالناس تبقى ناقصةً بعدهم،
وكأنّ شيئًا من الروح قد رحل معهم ولن يعود.
ولعلّ أجمل ما نهديه لمن غيّبهم الموت
دعوةٌ صادقة تخرج من القلب،
فهم اليوم أحوجُ إلى الدعاء من أيّ شيءٍ آخر.
اللهمَّ اغفر لوالدتي وارحمها،
واجعل قبرها نورًا وطمأنينة
العيدُ ليسَ دائمًا ضحكاتٍ مكتملة،
فبعضُ الأعيادِ تأتي وعلى الأرواحِ غصّة،
حين نفتقدُ أولئك الذين كانوا يصنعونَ دفءَ الأيامِ ببساطتهم وحضورهم.
في العيد نتذكّر الراحلين أكثر من أيّ وقت،
نتذكّر أصواتهم، تفاصيلهم الصغيرة، أماكن جلوسهم، والدعوات التي كانت تُقال بحبّ دون تكلّف.
معاناة المرضى مع عيادات الأسنان أصبحت أمرًا لافتًا ومؤلمًا في الوقت ذاته. يذهب المريض وهو في حالة طارئة، يعاني من ألم شديد، فيُفاجأ بأنه لا يمكن استقباله دون موعد مسبق، فيُطلب منه الانتظار لساعات طويلة قد تصل إلى خمس ساعات، ثم تكون النتيجة في النهاية: لا يمكن تقديم الخدمة
ويتم تحويله إلى مستشفى الأسنان.
وهنا تبدأ معاناة جديدة، حيث يكون أقرب موعد بعد شهرين أو أكثر، ما يضطر المريض للجوء إلى المستشفيات الخاصة، وتحمل تكاليف مالية مرتفعة لا يستطيعها الجميع.
هذه المشكلة لا تتعلق بحالة فردية، بل تعكس تحديًا حقيقيًا في آلية التعامل مع الحالات الطارئة
وكيف يُرتجى اللقاءُ، وقد غيّبكِ عنا القضاء؟ فصار القربُ بُعدًا، والأنسُ وحشةً، والحضورُ غيابًا.
رحمكِ الله يا أمّي رحمةً واسعة، وجعل قبركِ روضةً من رياض الجنّة، وألبسكِ من نورِه، وجمعني بكِ في دارٍ لا فراقَ فيها ولا حزن.
أترقّبُ ثغرَكِ الباسمَ، وأشتاقُ إلى يدٍ طالما قبّلتُها إجلالًا وحبًّا، وأحنُّ إلى مجلسٍ بقربكِ نتجاذبُ فيه أطرافَ الحديث، ما قلَّ منه وما كثر؛ فكان القليلُ عندكِ كثيرًا، وكان الكثيرُ بقربكِ يسيرًا
ولكن، كيف يُجابُ رجاءٌ، وقد حالَ بيننا الثرى؟
رحم الله روحًا طيّبةً أحسنت في دار الفناء، فنرجو لها في دار البقاء رحمةً ورضوانًا، ونورًا في القبر وسَعةً، وجزاءً بما قدّمت من خيرٍ وإحسان.
اللهم اغفر لأمي، وارفع درجتها في المهديّين، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، واجمعنا بها في مستقرّ رحمتك، في جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار
ها هي الأيام تمضي بما قدّر الله، ويقضي في خلقه بما يشاء، لا رادَّ لقضائه ولا معقّب لحكمه؛ فنسلّم الأمر له، ونرضى بما قسم، ونحتسب عنده ما أخذ وما أعطى.
وإن الشوق ليطرق القلب طرقًا، غير أنّا نكفّه بالصبر، ونروّضه برجاء ما عند الله من الأجر واللقاء.
أقبل العيدُ على وجوهٍ مقفرةٍ، وعيونٍ ساهرةٍ، وقلوبٍ تئنُّ أنينَ الفقدِ والحنين،
فوقف بينها متسائلًا في دهشةٍ ممزوجةٍ بالأسى:
ما بالُ وجوهِكم قد علاها الذبول، وغابت عنها إشراقةُ السرور؟
وأين تلك البسماتُ التي كانت تُزهرُ على ثغوركم مع كلِّ عيد؟