صحيح أن الصورة لقيثارة غرناطة، الشاعر والكاتب والموسيقي فيدريكو غارسيا لوركا، تسوّق للكتاب…ولكن، أين المترجم…؟!
عند أهل التراث أن الأمة لا تقبل من مجاهيل، فكيف بما يصنف ضمن أصعب حقول الترجمة، الشعر!
صحيح أن الصورة لقيثارة غرناطة، الشاعر والكاتب والموسيقي فيدريكو غارسيا لوركا، تسوّق للكتاب…ولكن، أين المترجم…؟!
عند أهل التراث أن الأمة لا تقبل من مجاهيل، فكيف بما يصنف ضمن أصعب حقول الترجمة، الشعر!
عن #عوليس
كتب الروائي العراقي وارد بدر السالم هذا المقال/ الاعتراف الذي يستحق أن يقرأ.
--
كُتبت لتعذيب البشر
لماذا لا نفهم رواية عوليس ؟
#وارد_بدر_السالم
--
(1)
منذ أكثر من عشرين سنة لم أنجح في إكمال قراءة رواية عوليس لجيمس جويس بترجمة د. طه محمود طه (جزءان). أربع محاولات في القراءات الجدية لم تسعفني في أن أكمل هذا الأثر السردي الذي قيل وكُتب عنه الكثير عالمياً وعربياً.
شاركني أصدقاء روائيون وشعراء ومسرحيون في هذا العزوف الاضطراري عن قراءة عوليس. لم أستطع التواصل مع عوالمها المملة القديمة، فأخذتُ من النقد العالمي والعربي على قلته، كمشورة لتتبع أثر هذه السردية الشهيرة، ومع كل هذا لم أفلح في أن أستمر في القراءة، مع إنني فهمت موضوعها من خلال النقد الشارح لها. وأخذتُ من اللقاءات القليلة مع المترجم مشورة أخرى، إلا إنها زادتني تعقيداً إن لم أقل نفوراً منها.
مبدئياً أعرف إن الخلل ليس في محاولات القراءة. فأربع محاولات تعني أربعة فصول وأمزجة وأربعة استعدادات للقراءة تشير الى "ضرورة" قراءة هذه الرواية العالمية. ومع كل هذا أترك القراءة وأنصرف الى كتاب آخر. لأجد أن " لا ضرورة" مهمة تجعلني أكره القراءة الى هذا الحد من السأم. لكن الأمر تكرر مع رواية "صورة الفنان في شبابه" للمؤلف ذاته، مثلما تكرر مع رباعية "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست؛ بينما لم يتكرر هذا مع " رباعية الإسكندرية" لـ لورانس داريل.
هذا لم يحدث مع روايات دوستويفسكي وماركيز وأليف شافاق وتولستوي والبيرتومورافيا ولوكليزو وهمنغواي وايزابيل الليندي. بمعنى إن بعض النصوص الطويلة تُشكل علينا في فهم مقاصدها ومراميها. بل أحياناً تُشكل علينا لغتها وبناؤها وطريقة عرضها وشكلها وترتيبها الفني وتسلسلها الحدثي. وأحياناً تلعب الترجمة دوراً سيئاً في تقديم الأثر السردي الى القاريء العربي. وهذا من المألوف في القراءات؛ يقتضي البحث عن الأسباب التي تجعل من نص ما غير مقروء مراقبة النصوص من حيث هي نصوص حدثية أولاً أو شكلية.
(2)
قرأتُ بأن عوليس المختلف عليها عالمياً هي:
* إحدى العلامات في تاريخ الرواية العالمية.
* غيرت في فن الرواية واللغة.
* توازي رحلة أوديسيوس في حرب طروادة. وهي نص مقتبس من الميثولوجيا الكلاسيكية: أوديسة هوميروس.
* أحداث الرواية تقع في (18 ساعة) من يوم 16 يونيو عام 1904. وهو يوم تعارف جويس بزوجته نورا.
* عمل فني لا يتكرر وعبقري للغاية, ونموذج فريد لكل نزعات التجديد الأدبي في المجال الإبداعي والمجالات المختلفة للدراسات النقدية.
* فيها متلازمات كثيرة ومتناقضة، من الحب والخوف والفقر والعلم، مثلما فيها معارف من الأدب والتاريخ والفلسفة والمسرح. كما فيها أسماء لشوارع العاصمة دبلن وباراتها وحاناتها وفنادقها ومومساتها وبيوت العبادة.. أي إنها رواية معرفية بالتعبير الحداثي اليوم. جاءت من العلوم والآداب والمجتمع الميداني بشكل مباشر. والرواية مبنية على ملحمة الإلياذة فلو لم تقرأ الإلياذة لن تفهم شيئًا، بل حتى لو قرأت الإلياذة كلها لن تفهم إلا القليل من الرواية. وبهذا تتجاوز الزمان والمكان لتكون عملاً أدبيًا خالدًا.
* من الآراء العربية التي تُحسب على إنها مبالَغ فيها ما كتبه الجزائري يونس بن عمارة عام 2020 بأن جويس يخترع كلمات جديدة/ مكمن الصعوبة هنا أن المرء لا يعرف ولا يفهم ما لم يره من قبل / عندما يقتبس جيمس جويس من اللغات الأجنبية يحوّر الكلمة بطريقته الخاصة / بعد تخمين اللغة تحاول أن تعرف ما الذي غيّره جيمس جويس فيها لأنه غالبًا لا يضعها كما هي في تلك اللغة/ بعد أن تعرف الكلمة الصحيحة المقتبسة من اللغة الأجنبية تسترشد بالقاموس لمعرفة معناها/ بعد معرفة معناها المجازي والحقيقي تحاول فهم ما هو دورها في نصّ عوليس!
هذه الدورة اللامتناهية والمتعبة، ليس القاريء به حاجة اليها كما نعتقد. لاسيما القاريء العادي، بل حتى القاري المتخصص لا يتوجب أن يدور في حلقة دبلنية مفرغة لأسماء وعبارات وأرقام. مما يشكّل دواراً في القراءة، يشير الى صعوبة التواصل مع الرواية. لكن مثل هذه الشهادات والآراء العابرة لا ندحضها ولا نميل إليها تماماً، فالتقديم النقدي والاحتفالي قد يكون له رصيد من فهم الرواية أو لا يكون.
الناشرون في كثير من الأحيان (ينفخون) في صورة أية رواية لأسباب تسويقية. والنقاد (يحتفلون) في ذكراها، مع ارتيابنا في هذا الاحتفال وهو ليس احتفالاً نقدياً؛ بقدر ما هو احتفاء بروائي تمكّن من أن يبصم على الرواية العالمية بـ عوليس؛ بالرغم من شكوك بعض النقاد الغربيين في إن هذه الرواية هي محض كلام وسفسطة مَرَضية وأحداث تاريخية لا علاقة لها بالعاصمة دبلن الحديثة وقتذاك. ويمكن لأي شخص قراءتها من أية صفحة..!
(3)
المترجم د. طه محمود طه أمضى 20 عاماً في ترجمتها؛ كما قيل؛ وهو زمن طويل جداً قد يخفي بعضاً من أسرار الرواية. ولقد اعتدنا في قراءاتنا إن لا أسراراً كبيرة وراء المنجزات السردية الإبداعية، فقد تكون تراتبيتها الزمنية في الاسترجاعات الزمنية والاستذكارات وتداخلها ببعضها، أحد أنماط الكتابة العبثية، بتقنية تيار الوعي الذي يسترجع ما شاء من الأحداث والأساطير هو ما تسبب بتعقيد الرواية، وفي هذا قال مترجمها: الغوص في عوليس بحاجة إلي غواصين جبابرة يفهمون ألغازها ومتاهاتها الكبرى.
تلك المتاهات - ربما- صارت حاجزاً بين القراءة والخيال والتأمل واللغة التي أتعبت المترجم شارحاً: كنت أقف أمام اللفظ الواحد أيامًا عدة، وبعد ما أعجز عن العثور عليه في القواميس، أعود لأدرك إن جويس قد نحته من لفظين من لغتين مختلفتين أو جاء به من العاميّة المستعملة في أزقة دبلن فكان عليّ أن أترجم اللفظ المنحوت بلفظ عربي منحوت أيضا.
أما الاعتراف المرير للمترجم هو قوله: إنها رواية لتعذيب البشر.
عندها يوافقنا كاتب الدراما أسامة انور عكاشة بقوله: لو قرأتَ صفحتين منها في اليوم يعد انجازاً.
(4)
تأتي هذه العسرة في عموم القراءة العامة والشخصية الأدبية والفنية. والآراء التي قيلت ضدها كثيرة، ومثلما هي رواية كُتب عنها بأنها من أعظم الانجازات الروائية في العالم، يأتي جوناثان فرانزن ليقول:
* لم أستطع أن أُنهي عوليس. احتجت إلى مستشار في الأطروحات الأدبية لكي يجلد رأسي بسوط.
* الدوس هكسلي قال بأنها أحد أكثر الكتب مللاً في التاريخ والأقل أهمية.
* عالم النفس كارل يونغ قال بأنها لا تحتوي على شيء وهي عبارة عن أوراق بيض فارغة مطبوعة جيدًا، وقد غلبني النوم مرتين أثناء القراءة.
* نابوكوف وضعها في درجة أعلى مما نتوقع (عوليس عمل فني إلهي).
* قال عنها جورج موور: عوليس عديمة الفائدة .. هذا ليس بفن، هذه محاولة لنسخ دليل لندن.
(5)
عندما؛ في وقتٍ مقبل؛ قد أنجح في قراءتها سأقول فيها شيئاً. ومعي الكثير من الآراء المتناقضة بشأنها، لكنني أعتقد بأنني صرفتُ النظر عنها كلياً. وبقيت أبحث في سريرتي عن تأثيرات هذه الرواية في جيل جيمس جويس أو الأجيال التي تلته تلك التي تعاقبت مع مرور السنوات وعلى مدار زمن طويل.. فلم أجد..!
في عام ١٩٥٨م كتبت "سوزان برنار" أطروحتها الضخمة - الترجمة الكاملة رواية صادق في أكثر من ٨٠٠ص- لتصبح فيما بعد الدستور الشرفي لقصيدة النثر.
ونظرا لتأخر ترجمتها العربية فقد أكل منها الكثير من مثقفينا ومنظري ذلك الجيل الذين لديهم منقارا فرنسيا طويلا، كانت أكبر عملية نسخ لصق راقية!
في عام ١٩٥٨م كتبت "سوزان برنار" أطروحتها الضخمة - الترجمة الكاملة رواية صادق في أكثر من ٨٠٠ص- لتصبح فيما بعد الدستور الشرفي لقصيدة النثر.
ونظرا لتأخر ترجمتها العربية فقد أكل منها الكثير من مثقفينا ومنظري ذلك الجيل الذين لديهم منقارا فرنسيا طويلا، كانت أكبر عملية نسخ لصق راقية!
لا أرى لغلوغ بلوم وحاجباه السائلان على جنبات عينه؛ على غلاف إلا أسرعت إليه أو مقال إلا قرأته وكان المقال هذه المرة في النيويورك تايمز ضمن مراجعات الكتب..
وقصته أن تلميذته هيذر وايت وصلت إلى مكتبته ونبشت ملاحظاته واستخلصت بعض الرسائل الأدبية وحررتها تحت اسم "الرجل الذي قرأ كل شيء"
لا أرى لغلوغ بلوم وحاجباه السائلان على جنبات عينه؛ على غلاف إلا أسرعت إليه أو مقال إلا قرأته وكان المقال هذه المرة في النيويورك تايمز ضمن مراجعات الكتب..
وقصته أن تلميذته هيذر وايت وصلت إلى مكتبته ونبشت ملاحظاته واستخلصت بعض الرسائل الأدبية وحررتها تحت اسم "الرجل الذي قرأ كل شيء"
”وحدهُ الكتاب ما يمتلك القدرة على كبح الضوضاء المحيطة بنا حدّ الإدمان. لا بأس من القراءة الإلكترونية على جهاز القارئ الإلكتروني (الكيندل) ففيه ميّزاتٍ تشجّعُ مَن شحّ بصرُهُ على مواصلة القراءة من غير معيقات جسدية؛ لكن لو كان ممكنًا القراءةُ في كتابٍ ورقي لكان هذا فعلاً جميلاً. الأمر المهم أن ننصرف للكتاب انصرافًا كاملاً ولا نجعل من الشبكة العالمية فخًّا ننزلق فيه، فما أيسر أن يضيع الوقت فيها بددًا ونحن مأسورون في هذا الفخ.
قيل -وسيقال- الكثير في أهمية الكتاب والقراءة. سيُكتبُ عنهما أنّهما وسيلتان ناجعتان للاسترخاء العقلي ونشر المعرفة على أوسع الأنطقة الممكنة. هذا صحيح؛ لكنّ كبح ضوضاء العالم أو تقليل مناسيبها على الأقلّ هي الأهمية الأولى للكتاب والقراءة. هل جرّبتَ أن تقضي ساعة أو ساعتين أو ثلاثًا وأنت تتجوّلُ بين رفوف الكتب في مكتبة أو تلك المخزّنة في حاسوب أو هاتف نقّال؟ ستشعر بخفّة في الجسد وطلاقة في الروح؛ فقد غادر عقلك مواضع برمجته الكلاسيكية والروتينية وراح يتعامل مع أجواء جديدة وعناوين جديدة لم يعتدها. الانقياد إلى تقاليد مكرورة في القراءة أو الاطلاع على المعلومات يقود إلى عقل متخشّب (كاتاتوني Catatonic) تمامًا مثلما تؤدي بعض أشكال الشيزوفرينيا إلى تخشب جسدي“.
في سير أعلام النبلاء؛ ترجم الإمام الذهبي للمظفر قطز بقصة حياته المشتهرة، ولكن شدني قوله:
«…كان شابا أشقر، وافر اللحية، تام الشكل، وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوض الله شبابه بالجنة ورضي عنه»
تخيّل كتابا يحفظ لك دعوة سارية النفاذ قرابة سبعمئة سنة!
«الشلليّة» رزية الرزايا لثقافتنا المعاصرة،فإذا انطلق قارئ النتاج "الروائي" المعاصر من هكذا تصور هان عليه فهم الأمور والانتقاء بعيدا عن الضجيج،وفي كتاب د. كمال عبدالبر الذي اختص "بنقد" نقاد الشعر ماينطبق على نقّاد الرواية والمسوغون لها فكم احسنت الظن واقتنيت رواية حديثة وخاب ظني💔
«الشلليّة» رزية الرزايا لثقافتنا المعاصرة،فإذا انطلق قارئ النتاج "الروائي" المعاصر من هكذا تصور هان عليه فهم الأمور والانتقاء بعيدا عن الضجيج،وفي كتاب د. كمال عبدالبر الذي اختص "بنقد" نقاد الشعر ماينطبق على نقّاد الرواية والمسوغون لها فكم احسنت الظن واقتنيت رواية حديثة وخاب ظني💔
جانكليفتش فيلسوف من زمن قديم يحتاجه الحاضر لأن في فلسفته التي تحاول كسر حدة الزمن الخاطفة هي بحد ذاتها تنبيهات لاقتناص اللحظة الراهنة والزمن الآنيّ والتملي منه.
فرنسواز شواب تلميذته المقربة نشرت سيرته ومحاضراته في السربورن؛
هل ستترجم…؟!
عذابات العمر الجميل لفاروق شوشة سيرة ذاتية أدبية تحدث فيها بدايات تكوينه وعلاقته المبكرة باللغة والشعر والحب.
عن طفولته ودور والدته في تشجيعه على القراءة والشعر وأولى تجاربه العاطفية وتأثره الكبير بالشعر العربي، وعمله الإذاعي وعلاقاته بكبار الأدباء لويس عوض ومحمد مندور.
جانكليفتش فيلسوف من زمن قديم يحتاجه الحاضر لأن في فلسفته التي تحاول كسر حدة الزمن الخاطفة هي بحد ذاتها تنبيهات لاقتناص اللحظة الراهنة والزمن الآنيّ والتملي منه.
فرنسواز شواب تلميذته المقربة نشرت سيرته ومحاضراته في السربورن؛
هل ستترجم…؟!