منذ أن توفي أستاذي محمد مريسي الحارثي، وفي نفسي غصة لا أستطيع تجاوز ألمها. ولعل في الكتابة عنه ما يذيب بعض تلك الغصة...
فلم يكن أستاذًا عاديًا، بل كان أبًا معرفيًّا.
ولا أعلم عن تلك القدرة الكبيرة التي استطاع بها أن يكون أستاذًا وأبًا لجميعنا. فكل من كتب عنه استشعر أبوته في لحظة من لحظاته. وما أكثر تلك اللحظات التي يشعر بها الطلاب في مسيرتهم العلمية! والتي ربما لا يحتاجون فيها أكثر من عطف عليهم، واستشعار بهم، وتيسير بسيط ليعبروا مشكلتهم...
كان أستاذًا راسخًا في تخصصه، عميقًا في طرحه، وكنا نستشعر صعوبة ما يقول حتى يبسطه بطريقته المحببة.
كان صراع القدامة والحداثة على أشده في الجامعة التي لا تبعد عن الكعبة المشرفة إلا خطوات (في مقرها القديم). وكان يستوعب توجه بعضنا للتيار الذي لا يميل إليه، وإن قلتُ إنه كان مشجعًا عليه؛ لأنه كان يقدر أن يبني الطالب شخصيته وتوجهه بعيدًا عن ظل أستاذه.
زرته في بيته، فعرفت كرم روحه التي استقبلتني خارج البيت، وأنزلتني - وأنا طالبه - منزلة ضيف كبير لا يرضى أن يقدم ضيافته أحد غيره. وعرفت وقتها بعض أبنائه، الذين تعلمت منهم بعض فنون البر مع أبيهم، وكنت أحدّث بها أبنائي لاحقًا...
ما أحزن عليه الآن، وأرجو أن يغفره لي، هو ذلك التسويف في القرب أكثر ممن نحب، ولمن تعلم أنه يحب أن يراك...
إنه ألم يستمر معنا حينما نفقد من حياتنا لحظات من المودة والمحبة، لا نصحو لنذكرها إلا بعد فوات الأوان!
رحم الله والدنا المعرفي، وبارك في عقبه، وجعل ما قدمه من أخلاق وعلم في موازين عمله، وجبر المصاب.
@mshhoorAlharthi@mr_mns