#القرينة_التي_أعرفها#القرينة
عيدكم مبارك .. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
عندما أرى حماس الأبناء والأحفاد واستعدادهم المبكر للعيد أتذكر أعيادا لا تنسى في قريتي الحبيبة "القرينة".
** فرحة العيد **
في منتصف شهر رمضان تقريبا يبدأ الجميع في الاستعداد للعيد لا سيما من عنده أطفال، فهم أكثر من يسعد بالعيد.
كان الناس يطلبون الأقمشة مثل (الروز، الترتر، الشالكي) من الرياض، وتحيكها الأمهات بشكلٍ يدوي لأبنائهم وبناتهم، كما كان البعض منهم يستعين بالنساء المتقنات للحياكة مقابل أجرة بسيطة تشبه بساطة تلك الأيام، فتُعطى الخيّاطة عيش أو تمر تقديرا لجهدها.
ورغم بساطة لبس العيد، إلا أنّ له مكانة خاصة في قلوب الصغار؛ بحكم أنهم لا يلبسون الجديد إلا فيما ندر.
بالنسبة لزكاة الفطر (أو ما تُعرف بالفِطرة) فهي توزع ليلة العيد، وغالبا ما تكون من التمر، وبعد أن تحسنت الأحوال الاقتصادية صارت تخرج من الارز.
كنا نترقب رؤية الهلال لنكمل استعدادات العيد من طبخٍ وغيره، وننتظر سماع الخبر من السيارات التي تجول على القرى وتذيع الأخبار المهمة مثل دخول رمضان أو حلول العيد. بعد وصول المذياع، أصبحنا ننتظر الخبر من جارنا إبراهيم بن حسين رحمه الله لكونه يملك راديو حينها. كان إعلانه للخبر يتمثل بإطلاقه عدة طلقات من البندق الخاص به من سطح منزله. أذكر أننا كنا نجتمع في سطح بيت إحدى الفتيات، وكلّ منا تحضر شيئا من بيتها، شاي أو سكر أو فصفص، ونجهز الشاي ونحن ننتظر إعلان خبر العيد، فإن سمعناه سهرنا إلى الفجر، و خلال السهرة تحضر كل واحدة منا ذواقة من جريش العيد (الطبق الرئيسي لمائدة العيد)، وإن لم نسمعه تفرقنا وذهبت كلٌ منا إلى منزلها.
وبمناسبة الحديث عن الجريش، وبالرغم من كونه طبقاَ شائعا حينها، إلا أن اختيار اللبن الطازج، ونوع السمن، والطبخ على نار هادئة يضمن أن تحوز صانعته على إعجاب المتذوقين (لا سيما كبار السن) وتستحق حينها لقب الظفرة.
في صباح العيد .. يصلي الجميع صلاة العيد في الوادي في جوٍ فرح لاينسى. ويستمعون لخطبة العيد والتي عادة ما يستهلّها الخطيب بما يلي :
"ليس العيد من لبس الجديد، ولا من ركب الخيل المسوَمة وخدمته العبيد، العيد من خاف يوم الوعيد.."
كنا نرى الرجال مرتدين ثيابهم إضافة إلى الشمغ والعُقل، مع ارتداء الكبار منهم للبشوت احتفالاً بالعيد. أما النساء فكانت استعداداتهن مختلفة بعض الشي، فإضافة إلى اللبس الجديد، كانوا يتميزون بوضع المشاط (نبات كالريحان مطحون ومعد بطريقة تشبه الحناء ويوضع على شعر الرأس) وتظفير الشعر. وكنّ يرتدين الحُليّ المصنوعة آنذاك من النحاس لغلاء الذهب وندرته.
بعد صلاة العيد، تذهب النساء مسرعات إلى بيوتهن لتجهيز الجريش ووضعه في صحن كبير، ويقوم الرجال بفرش البُسط ووضع السّفرات (المصنوعة من سعف النخيل)، وبعد اكتمال وصول الصحون من جميع البيوت يقوم الرجال بالمرور على كل صحن ليأكلو منه بضع لقيمات ومنتقلين من تذوق صحن لآخر. أما نحن الفتيات فكنا نجتمع في أحد البيوت، فترى البعض يغني، والبعض يرقص، وقد يجتمع معنا بعض الأمهات مُبتهجين بمشاهدة طقوس احتفالنا البسيطة.
كانت "الحوامة" هي أبرز مظاهر الاحتفال لدى الصغار. فيدور الأولاد قبل يوم العيد بيومين سعياً لجمع العيديات وهم يغنون أهازيجهم
"عطوني عيدي .. عادت عليكم .. في حالٍ زينة
جعل الفقر ما يدخل عليكم .. ولا يكسّر ايديكم .. ولا رجليكم "
ثم يقولون: "نسوق الحمار وإلا نوقّفه ؟ "
ويقصدون بها، هل ستعطوننا عيدية؟ أم نذهب لبيتٍ آخر ؟
ويرد عليهم أهل البيت الذين سيعطونهم، "وقفوه وقفوه" ويعطَونهم ماهو متوفر لديهم، كالقريض (الحمص) الذي عادة ما يكون مصدره الحجاج العائدين من مكة. أو الإقط، أو السهو، وهو حب القمح المحمص. كلٌ يعطي حسب قدرته، حتى أنّ البعض يعطي بيض مسلوق.
ومن الطريف أنّ أهل البيت إذا ردوا بكلمة "مشّوه" نالوا نصيبهم من سبّ الصغار ودعواتهم عليهم بالفقر.
وفي اليوم التالي (في ليلة العيد) تكون حوامة البنات بشكل مستقل عن الأولاد. وبنهاية الحوامة يرجع كلّ منا إلى منزله بعد أن أكل معظم ماقام بجمعه أثناء طريق العودة. كل ذلك يتم في أجواء أمن وطمأنينة، أسأل الله أن يديمها على بلادنا وبلاد المسلمين.