مشاكل التشتت وقلة التركيز ما تنحل بعشبة، ولا مكسرات، ولا فيتامين د، ولا بي 12، ولا بحل واحد منتشر في التواصل الاجتماعي.
المشكلة غالبا أوسع من كذا: جانب نفسي، جانب ذهني، أسلوب حياة، نوم، أكل، فيتامينات، وبيئة مليانة مشتتات. لذلك مو كل واحد يقول: عندي ضعف ذاكرة، نعطيه الشيء الفلاني ونقول خلاص.
أحيانا تبدأ المشكلة من أشياء بسيطة جدا. أحد يقول لك: رح البقالة وجب خبز وشيء ثاني، فتجيب الأشياء المعتادة وتنسى الشيء غير المعتاد تماما. أحد يطلب منك شيئا، وإذا ما كتبته بعد دقيقتين ما تدري وش طلب. ومع الوقت ما عاد تصير نسيانا عابرا، تصير داخلة في الدراسة، والعبادات، والعلاقات، والكلام، والحضور مع الناس، وحتى إحساسك أنك فعلا موجود في اللحظة.
كلنا ننسى أحيانا، وكلنا نتشتت في شيء أو شيئين. لكن لما تصير من كل الجهات، هنا تبدأ تقول: فيه مشكلة. ما تركز في الصلاة، ولا في الدعاء، ولا في المحاضرة، ولا في كلام الناس، ولا في الأشياء المهمة حولك. الدكتور يتكلم وكأنه ما يتكلم، وتطلع من المحاضرة صفر.
أول فهم مهم: لا تجزم أن المشكلة من سبب واحد. مو كل ضعف ذاكرة يعني نقص بي 12، ومو كل تشتت يعني فيتامين د، ومو كل ضعف تركيز تنحل بمكسرات أو عشبة. ممكن يكون الجانب النفسي هو المؤثر الأكبر: قلق، اكتئاب، هلع، خوف من المستقبل، أو اضطرابات أخرى. وممكن يكون النوم هو المشكلة. الناس مو واحد، وممكن الواحد يكون متضرر من جانب وهو ما يدري وين أصل المشكلة.
الجانب النفسي رقم واحد. القلق والتوتر والخوف من المستقبل تسحب انتباهك من اللحظة. لما يكون ذهنك دايم في المستقبل، تفقد الحاضر. ما يكون فيه اتصال حقيقي مع الناس، ولا فاعلية في الأشياء اللي تسويها. عشان كذا علاج التشتت ما يبدأ دائما من الجوال، يبدأ من فهم الدوافع: ليش أهرب للجوال؟ ليش أروح للأسهل؟ ليش ما أقدر أركز على دروسي، أو تطويري، أو مهاراتي؟
الجوال قطرة في بحر، مو هو البحر كله.
التطبيقات مصممة بذكاء وجزء من لعب علم النفس في السلوك داخل فيها ومن قرأ السلوكية عرف ذلك، والألوان والتنبيهات والمقاطع القصيرة مدروسة. حتى اتجاه السحب ومكان الفيديو وطريقة ظهور المحتوى كلها تسهل عليك البقاء. لكن لو حصرت المشكلة في الجوال فقط، تطلع حلولك مؤقتة وفاشلة. صيام الدوبامين، حذف التطبيقات، تحديات الانقطاع، كلها ممكن تنفع فترة قصيرة، لكنها غالبا ما تستمر؛ لأنها ما عالجت الجذر.
الحل الأفضل مو أنك تتخلص من كل المشتتات، لأنك ما تقدر تتخلص من كل شيء. الحل هو تجفيف منابع التشتت. كلمة تجفيف أدق من كلمة تخلص. أنت ما تعيش في دير، ولا تقدر تلغي الجوال والحياة والناس والعمل. لكن تقدر تقلل منابع التشتت، وتكون مرن، وتبني نظاما ذكيا يناسب حياتك، لا نظاما مثاليا يخليك تحس أنك مقيد ثم تتركه.
لا تستخدم الجوال وقت الأكل، ولا وقت الشرب، ولا وقت الحديث مع الآخرين. إذا كنت تأكل في البيت، خله في جيبك أو بعيد عنك، وخل انتباهك موحد للأكل. اليوم أغلب الناس تأكل وهي تشوف فيلما أو مقطعا أو تتصفح. هذا يقسم الانتباه في كل شيء. لما توحد انتباهك للأكل، تستشعر الطعم، وتنتبه لكمية الأكل. والمهم لا تقرأ لعلي الوردي.
لكن خلك مرن. إذا طلعت مع أصحابك، مو لازم تطبق الانتباه الموحد بحذافيره. استمتع، اضحك، شوف مقطع معهم، عادي. إذا كنت تنتظر في مستشفى وطفشت، استخدم الجوال. الفكرة مو أنك تصير مثاليا، الفكرة أنك تعرف متى تستخدمه ومتى لا. هذا اللي يخليك تستمر؛ لأنك ما تحس أنك داخل نظام خانق.
أخطر مثال على التشتت هو الجوال أثناء القيادة. الواحد يعرف أن بينه وبين الحادث ثانية واحدة، ومع ذلك يفتحه لأنه طفشان أو متعود. هذا مو لأنه ما يعرف الخطر، بل لأن التحكم ضعيف والتركيز ضعيف. إذا ضعف التركيز سهل التشتت، وإذا زاد التركيز زاد التحكم في العادات.
تقوية التركيز تبدأ من اليقظة الذهنية وتوحيد الانتباه. خذ الأشياء الروتينية اللي تسويها يوميا، وحولها من أشياء آلية إلى أشياء واعية: تفريش الأسنان، الاستحمام، الوضوء، الشرب، الأكل، القهوة.
لما تشرب قهوتك، ركز عليها. طبيعي بتتشتت، لكن ارجع. المحاولات نفسها تقوي التركيز مثل العضلة.
ولا تبدأ بكل شيء دفعة واحدة. الدماغ إذا فاجأته بخطة صعبة يقاومك. إذا قلت له: من اليوم ما فيه جوال، ولا تشتت، ولا أكل مع مقاطع، ولا تفكير، ولا فشل، بيعلن الحرب عليك. ابدأ بسيط. ركز على المشروبات فقط. بعد فترة أضف الوضوء. بعدين الأكل. بعدين الاستحمام. شوي شوي.
في الوضوء مثلا، عندك خمس فرص في اليوم. ما نجحت في الفجر؟ عندك الظهر. ما نجحت؟ عندك العصر والمغرب والعشاء. ما نجحت اليوم؟ عندك بكرة وبعده. كلما زاد انتباهك في الأشياء البسيطة، يبدأ التفكير يسترخي تدريجيا.
اليقظة الذهنية فكرتها أنك ترجع للحظة. الناس القلقون غالبا يعيشون بين الماضي والمستقبل والحاضر في نفس الثانية. التفكير يروح بسرعة البرق: ماذا صار؟ ماذا سيصير؟ ماذا لو؟ لماذا؟ كيف؟ ولما يكون الذهن كذا، يقل الانتباه للحظة. إذا زادت لحظات الحضور، يزيد الانتباه والتركيز والاتصال والفاعلية.
الأداة الثانية هي الألغاز، خصوصا ألغاز الذكاء المجردة من اللغة والثقافة والمعلومات. ألغاز الأشكال والعلاقات التي لا تعتمد على لغة، بل على الذكاء العام والاستدلال. قوتها أنها تدخلك في متاهات منتظمة، مو متاهات عشوائية. تدرب الذهن على الدخول في تفاصيل منتظمة لإيجاد حل.
الألغاز الحقيقية لازم تكون صعبة ومعقدة نسبيا. ما نبغى التفكير السهل. دانيال كانمان في كتاب التفكير السريع والبطيء يتكلم عن نظامين للتفكير: سريع وبطيء. النظام السريع مثل اسمك، رقمك، بيتك، 1+1=2. هذا ما يطورك كثيرا. لكن لما تدخل في مسألة تحتاج جهد وتركيب، يبدأ التفكير البطيء. هذا هو المهم في التطوير والإبداع والتركيز.
كم تتمرن على الألغاز؟ الأصل أن الأفضل يوميا، مثل الرياضة، لكن هذا شرط مثالي والحياة الواقعية مختلفة. القاعدة العملية: أقصى ما عندك. خلك مرن وذكي. اليوم قدرت نصف ساعة؟ ممتاز. بكرة ما قدرت؟ عادي. بعده ترجع.
والمهم في اللغز مو السرعة ولا حتى صحة الإجابة دائما. ما فيه جائزة ولا فلوس. العائد عليك أنت. الدماغ يريد المحاولات الصعبة. إذا جلست 30 أو 40 دقيقة تحاول وتدقق ووصلت لحل غلط، فهذا جيد جدا؛ لأنك دربت الذهن على الدخول في المتاهة المنظمة.
الشطرنج من أفضل الأدوات أيضا، بل من الأشياء المرعبة في التدريب الذهني. يدخلك في استراتيجيات، ويحتاج ذاكرة، وتخطيط، وتوقع حركة الطرف الثاني. لكن حتى يكون مفيدا، لازم تلعب مع شخص أفضل منك أو على الأقل فيه تحد حقيقي.
لما يزيد التركيز، تزيد الذاكرة. دانيال قولمان في كتاب ركز Focus يقول إن زيادة التركيز تزيد نسبة الاحتفاظ بالأشياء. عندما لا يكون عندنا تركيز، تكون الذاكرة ضعيفة. لذلك لا تبحث عن ذاكرة قوية مباشرة، ارفع التركيز أولا.
التركيز الحقيقي مهارة مظلومة، مع أنها تؤثر على الفرد والمنظمات.يقلل الأخطاء، يزيد المبيعات، يزيد التطوير، يزيد الإبداع، ويخليك تعرف وين الخلل. القائد الذي عنده تركيز يعرف نفسه، ويفهم انفعالاته وأفكاره ومشاعره، ويعرف الآخرين ويتابع سنابي.
التركيز لا يكتشف الأخطاء فقط، بل يكتشف ما قبل وقوع الأخطاء. يلاحظ بوادر الخلل قبل أن يتحول إلى مشكلة، فيتفاداه بالاستراتيجية أو الابتكار أو توزيع المهام أو فهم الأشخاص. لذلك التركيز ليس مهارة فردية فقط، بل مهارة تنظيمية تنظم لك الدنيا.
لا تبحث عن حل سحري للتشتت. اضبط نومك، راقب حالتك النفسية، جفف منابع التشتت، لا تقرأ لعلي الوردي، وحد انتباهك في الأشياء اليومية، لا تستخدم الجوال وقت القيادة أو الأكل أو الحديث، درب ذهنك بالألغاز الصعبة والشطرنج، وكن مرنا في التطبيق. لا تهمك المثالية، المهم الاستمرار.
خلقت على ما فيّ غير مخيرٍ
هواي ولو خيرت كنت المهذبا
أريد فلا أعطى وأعطى فلم أرد
وقصّر علمي أن أنال المغيبا
وأصرف عن قصدي وحلمي مبلغي
وأضحي وما أعقبت إلا التعجبا
ومن عجب الأيام أن اجتنابنا
رشاد ولكن لا نطيق التجنبا
أيا من لا يرق لعاشقيه
ومن مزج الصدود لنا بتيه
ومن سجد الجمال له خضوعا
وعم الحسن منه من يليه
سليل الشمس أنت فدتك نفسي
وهل لسليل شمس من شبيه
كملت ملاحة وفضلت ظرفا
فأنت مهذب لا عيب فيه
كيف أشرح لك أني لم أعد قادرة على الاستمرار في تصديق مالا وجود له، كيف أشرح لك أني ماعدت راغبة في أن اقضي بقية عمري أطرد خلف أحلام زائفة لا تشبهنا ، كيف أشرح لك أني بحاجة أن ابتعد كي أرمم ذاتي التي تشظت من الوجع!
كيف أشرح لك أن الحياة أجمل من أن نخاتل حقيقتها ونغرق في الوهم؟!
رامايند لأشياء العيد:
الأمور انتهت نحن هنا الآن.
تقبل الواقع كما هو بدون محاولة تغييره.
لا تُظهر السعادة إذا كنت لا تشعر بها، ولا تُظهر الحزن إذا كنت لا تشعر به.
أوقف الأفكار قبل أن تبدأ تهلّ على رأسي.
الفوضى جزء من الطبيعية
الحياة عبثية بطبعها.
ما فيه شيء أقدر أحسنه
انتهى
قلقي كسول، لما يشتّد بي القلق أميل للتواري في كواليس العالم والغرق في اللاشيء، لتأجيل فكرة العيش لفترة وكأن الحياة واقفة تنتظرني أتعامل مع قلقي وأرجع أعيشها، لما أقلق ما أقدر أحمل نفسي على اتخاذ خطوة..أفكر في الناس اللي يتعاملون مع قلقهم بالمجازفة والتسرع كيف ممكن يشوفون شخص مثلي
أروح وقد ختمت على فؤادي
بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت غمضت طرفي
فلم أنظر به حتى أراكا
وفي الأحباب مختص بوجدٍ
وآخر يدعي معه اشتراكا
إذا انسكبت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى
تعالَ في آخرِ ساعةٍ من الليل،
حين يهدأ الضجيج وتصدق الأرواح،
واجلس بقربي فقط،
استمع لأحلامي وهي ترتجف،
لأمنياتي التي تأخرت كثيراً
ولقلبي الذي تعلّم الصبر
حتى صار يشبه الطريق..
”وحين يكتب الشاعر عن الموسيقى، فإنه يكتب عن الإنسان المحب، عن حلمٍ يشدّ القلوب إلى نغمة واحدة، وعن ما يسكب الطمأنينة في الروح، ويضمّ العالم بأوتار من دفء“