كريمٌ ذلك الإنسان الذي يمنح الآخرين شعورًا بأنّهم مرئيون ومسموعون ومُقَدّرون؛ الذي يدرك أن النفوس البشريّة مفطورةٌ على حب الاهتمام بها والإحسان إليها، فلا يبخل بالانتباه، والعطاء المعنوي، والكلمة الطيبة، والاستماع الصادق، والنصيحة المخلصة، فذلك أصدق أشكال الكرم.
إنّ الذي خلق هذه الحياة أودَع فيها أسرارًا عديدة، لا يدركها إلا المتفكّرون، الذين يسبحون في آفاق التأمّل؛ ففي سكون الليل آيات، وفي آفاق السماء إجابات، وفي تعاقب الفصول حكايات، وفي تقلّب الأحوال دروس. فما الكون إلا كتابٌ عظيم، لا يحسن قراءته إلا ذو القلب اليقظ.
أقبِل على وظيفتك أو مصدر قوتك بقلب مطمئن وصدر منشرح، واحمد الله عز وجل واشكره أن ساق إليك هذا الرزق المبارك؛ فكم من ضائق ينتظر ربع ما نلت من مزايا! وتذكّر دائماً أن الصبر على مشاق السعي في هذه الحياة رفعة ومثوبة، حتى الجنّة -على عِظم قدرها- لا ينالها إلا أهل الصبر والثبات، كما قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
فالمرء الحكيم يحمد الله على القليل والكثير، وينأى بنفسه عن بيئة التأفف والسخط ليحفظ بركة رزقه، فبشكر الله تدوم النعم .
اللهم لك الحمد والشكر على نعمك وإحسانك وفضلك .
يُفصِح المَرءُ عن نفسه عندما يتحدّث؛ فاللسان مرسولُ العقل، وترجمانُه الناطق، وكم كشف من خبايا الإنسان، وأبان عمّا استكنّ فيه من دُرٍّ نفيس، أو زائفٍ بخيس؛ فالمرء مستورٌ حتى يتكلّم، فإذا نطق انكشف فكرُه، وظهر عُمقه، وتجَلّى جوهرُه.
يُغلِق عنك بابًا بحكمته ليفتح لك أبوابًا واسعة برحمته، ويصرفك عن أمرٍ لخيرةٍ خفيّة لتُقبِل على أمر آخر يُخبّئ بين طيّاته الخير الكبير لك، ويأخذ منك ليُعطِيك، ويمنعك ليُغنِيك، ويُعلّمك الثقة بأقداره ليُرضِيك، فهو اللطيف الخبير الحكيم.