مقال #الشريف في حكم المولد النبوي.
نظرة معتدلة وسطية فقهية، ليس فيها إفراط ولا تفريط، مبني على القواعد والأصول الفقهية التراثية.
قد يكون من أفضل المقالات في بيان التعامل الفقهي المنضبط مع هذه المسألة.
ويضيف بن غوروين في رسائله “… وعندما تكون لنا مثل تلك الدولة يمكننا التفاوض مع العرب على خلق اتحاد فيدرالي في فلسطين شرط ان يسمح لنا الاستيطان في جميع انحاء البلاد وان تكون دولتنا مستقلة في جميع المجالات التي تهمنا”. (رسائل بن غوريون ص 180)

كتب الشريف محمد الحسني تعليقاً تاريخيا على خبر وأس:
مدينة السرين على ساحل البحر الأحمر ليست مجرد محطة تاريخية على طريق التجارة والحج، بل تمثل رابطًا حيويًا بين الحجاز والعالم الإسلامي والشرق الأقصى. ما ورد حول دورها، خاصة تحت حكم الأشراف من آل قتادة، يسلط الضوء على مدى تعقيد وتشابك العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية التي ربطت المنطقة بالعالم في العصور الإسلامية.
1. الموقع الاستراتيجي للسرين ودورها التاريخي
•مركز التقاء الطرق التجارية:
•موقع السرين على البحر الأحمر جعلها نقطة أساسية للتجارة البحرية التي ربطت بين الحجاز واليمن شرقًا، والشام ومصر شمالًا، والشرق الأقصى عبر المحيط الهندي.
•هذا الموقع منحها أهمية كبرى كجزء من شبكة التجارة العالمية، حيث كانت الموانئ مثل السرين تمثل البوابات البحرية للحجاز.
•محطة للحج:
•لعبت دورًا مهمًا كمركز تجمع للقوافل الحجاجية القادمة من الجنوب واليمن والمتوجهة إلى مكة المكرمة، مما عزز دورها الاقتصادي والاجتماعي.
2. دور الأشراف في حكم السرين والتواصل الدولي
•السرين في ظل الأشراف القتادية:
•بعد سيطرة أسرة قتادة على مكة، وُزّعت بعض المناطق الحيوية مثل السرين على أفراد من العائلة لتأمينها وإدارتها، مما يعكس أهمية المدينة في استراتيجية الحكم.
•تولي راجح بن قتادة حكم السرين يُظهر اهتمام الأشراف بتعزيز وجودهم في الموانئ، لتأمين طرق التجارة والتحكم في العلاقات الخارجية.
•العلاقات مع الصين:
•امتداد العلاقات التجارية والسياسية بين السرين والصين يُبرز رؤية الأشراف للعالمية.
•الصين كانت آنذاك قوة اقتصادية وثقافية كبرى، وكان العالم الإسلامي، بما في ذلك الحجاز، يسعى للتواصل معها، خاصة من خلال طريق الحرير البحري.
•دور الأشراف هنا لا يقتصر على التجارة، بل يشير إلى انفتاحهم الدبلوماسي والعلمي، حيث كانت مثل هذه العلاقات تُبنى على تبادل المنافع والاحترام المتبادل.
3. الحجاز كمحور للعالم الإسلامي
•دور الأشراف كحماة للمقدسات:
•مكانة الأشراف كحماة لمكة والمدينة أعطتهم ثقلًا سياسيًا وروحيًا كبيرًا، مما جعلهم شركاء في التحالفات الدولية.
•التحكم في موانئ مثل السرين منحهم القدرة على التواصل مع العالم، سواء في التجارة أو في تعزيز العلاقات الدبلوماسية.
•العلاقات مع الشرق الأقصى:
•العلاقة مع الصين كانت جزءًا من شبكة أكبر ربطت العالم الإسلامي بشرق آسيا، حيث انتقل عبر هذه الشبكة البضائع مثل البخور والتوابل والحرير، وأيضًا الأفكار العلمية والثقافية.
4. أهمية البعثة الصينية الحالية
•البحث عن الإرث التاريخي:
•وجود بعثة صينية تبحث في السرين يعكس إدراك الصين لأهمية العلاقة التاريخية مع المنطقة.
•هذا يدل على أن السرين كانت جزءًا من نظام عالمي أوسع لعب فيه الأشراف دورًا محوريًا في ربط الحجاز بالعالم.
•الشاهد على التواصل الحضاري:
•العلاقات التي امتدت من الحجاز إلى الصين ليست مجرد تجارة، بل تعكس حركة حضارية لنقل العلوم والمعرفة بين الثقافات الإسلامية والشرقية.
•البحث في هذا الإرث يُبرز دور الحجاز كجسر حضاري بين الشرق والغرب.
5. كيف نقرأ هذا الدور اليوم؟
•إعادة اكتشاف الأدوار التاريخية:
•البحث في مثل هذه المدن كمدينة السرين يعيد قراءة تاريخ الحجاز كقلب نابض للعالم الإسلامي، ليس فقط دينيًا، بل اقتصاديًا وحضاريًا.
•هذا الدور لا ينفصل عن سيادة الأشراف، الذين جمعوا بين الحكم المحلي والعلاقات الدولية.
•تعزيز الهوية الثقافية:
•إبراز دور السرين والأشراف في التاريخ يعيد للمنطقة مكانتها الثقافية والتاريخية التي تربطها بالعالم.
•مثل هذه الاكتشافات يمكن أن تعزز السياحة الثقافية والتاريخية في الحجاز.
1. موقع السرين وأهميته في شبكة التجارة
•بوابة البحر الأحمر:
•السرين تقع على البحر الأحمر، ما جعلها مرفأً طبيعيًا ومركزًا لتبادل البضائع بين الشرق والغرب.
•البحر الأحمر كان جزءًا من “طريق الحرير البحري”، الذي استخدمته السفن القادمة من المحيط الهندي لنقل السلع من آسيا إلى شبه الجزيرة العربية ومنها إلى مصر والشام.
•دورها في دعم الحجاز:
•كانت محطة للسلع التي تغذي مكة والمدينة بالمواد النادرة، مثل التوابل، الحرير، والأخشاب، التي جلبها التجار من الشرق.
•هذا الدور جعلها مركزًا اقتصاديًا هامًا للأشراف الذين حكموا الحجاز.
2. طبيعة العلاقات التجارية مع الصين
•التجارة مع الصين:
•الصين كانت تُصدر منتجات فاخرة مثل الحرير، البورسلان، الورق، والشاي. هذه المنتجات كانت محط طلب كبير في العالم الإسلامي، وخاصة في الحجاز الذي كان مركزًا عالميًا للحجاج والتجار.
•في المقابل، كانت الحجاز تُصدر للصين منتجات مثل اللبان، البخور، وأحيانًا الذهب.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]، وقال في نبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. ولا نقول إن لفظ الرحمة في آية يونس منحصر في النبي، ولكننا نقول إن القرآن أمر بالفرح بفضل الله ورحمته، ووصف رسوله بأنه رحمة للعالمين، فكيف يكون أصل الفرح بنعمة الله في بعثته ومجيئه مذمومًا؟
ومن هنا فإن معنى الاحتفاء بالمولد ليس تعظيم يوم لذات اليوم، ولا عبادة زمن من الأزمنة، وإنما هو تذكّر نعمة الله التي ظهرت في ذلك اليوم، وشكره عليها. فإذا قرأنا القرآن، وذكرنا سيرة النبي وشمائله، وصلينا وسلمنا عليه، وعلّمنا أبناءنا رحمته وهديه، وتصدقنا وأطعمنا الطعام، وحمدنا الله الذي أرسله إلينا، فنحن نتعامل مع معانٍ أصلها في كتاب الله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، و**﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، و﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾**.
وهكذا يكون يوم المولد من أعظم أيام النعمة في تاريخ هذه الأمة؛ ففيه ظهر إلى العالم من كان قبل وجوده دعوة إبراهيم وبشارة عيسى، ومن سيكون خاتم النبيين ورحمة للعالمين، ومن ستنزل عليه آيات الله، وتقوم به الحجة، وتظهر به الهداية، وتأتي بعد مولده أيام البعثة والوحي والهجرة وبدر والفتح وحجة الوداع، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3]. فلم يكن المولد يوم اكتمال الدين، ولكنه كان فجر تلك الأيام كلها، يوم ظهر إلى الوجود من سيكتمل الدين برسالته.
ثم نختم بما قال الله تعالى للمؤمنين: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 7]. فقد كان صلوات الله عليه وآله في أصحابه بشخصه الشريف، وما زالت أمته تعيش هديه ورسالته وقرآنه وسنته والرحمة التي جاء بها. فإذا تذكرنا مولده فلا نتذكر حادثة انقضت وانفصلت عنا، وإنما نتذكر نعمة ما زالت آثارها فينا: القرآن الذي بلغه، والصلاة التي بينها، والهداية التي دل عليها، والسنة التي تركها في أمته. فالمولد بداية ظهور هذه النعمة في عالم البشر، والبعثة تمام ظهور رسالتها، وما زالت هذه الرحمة ممتدة في الأمة.
فالحمد لله الذي استجاب دعوة إبراهيم، وحقق بشارة عيسى، وأظهر فينا خاتم النبيين، وأرسله رحمة للعالمين، ومنَّ به على المؤمنين. نفرح بفضل الله، ونشكره على نعمته، ونكثر من الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، ونتذكر به أيام الله؛ لا تعظيمًا للزمن لذاته، وإنما شكرًا لله على النعمة التي أشرقت فيه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾.
مولد الرحمة من أيام الله
تدبر في كتاب الله
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]. والأيام ظرف للأحداث، وإنما يشرف الزمن ويعظم بما يقع فيه؛ فأيام الله هي الأيام التي تتجلى فيها نعم الله وآياته ورحمته ونصره لعباده وخذلانه لأعدائه، ولذلك جاء بعد الآية مباشرة تذكير موسى قومه بنعمة النجاة فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [إبراهيم: 6]. فاليوم لا يعظم لذاته، وإنما يعظم بما أودع الله فيه من فضل ونعمة ورحمة. ومن هنا يحق لنا أن نتدبر: إذا كان يوم نجاة أمة من عدوها من أيام الله التي يذكَّر الناس بها، فكيف باليوم الذي ظهر فيه إلى عالم البشر خاتم أنبياء الله ورسله، الذي وصفه ربه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]؟
إن مولد سيدنا محمد صلوات الله عليه وآله لم يكن حادثة منفصلة عن تاريخ النبوة، بل سبقته دعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام وهو يرفع مع إسماعيل قواعد البيت: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129]، ثم جاءت بشارة عيسى عليه السلام: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]. وكان النبي صلوات الله عليه وآله يقول في معنى ذلك إنه دعوة أبيه إبراهيم وبشارة عيسى. وهكذا كان قبل مولده دعوة على لسان إبراهيم، وبشارة على لسان عيسى، فلما وُلد صار المبشَّر به موجودًا في عالم البشر، ولما بُعث صار الموعود رسولًا، ولما نزل عليه القرآن صار هاديًا للعالمين، ثم جاءت الهجرة والنصر والفتح واكتمال الدين. فالمولد لم يكن يوم اكتمال الرسالة، ولكنه كان يوم ظهور من ستكتمل برسالته نعمة الله على هذه الأمة.
والقرآن نفسه يلفت أنظارنا إلى يوم مولد الأنبياء؛ فقال في يحيى عليه السلام: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15]، وقال عيسى عليه السلام: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33]. وليس ذلك فحسب، بل إن سورة مريم قصت علينا قصة مولد عيسى عليه السلام، فذكرت حمل مريم ومخاضها وولادته وكلامه في المهد، ثم ختم هذا المشهد بذكر يوم مولده والسلام عليه فيه. فالقرآن يذكّرنا بمولد نبي من أنبياء الله وما صاحبه من رحمة وآيات وعناية إلهية، ومن هنا لا يكون غريبًا أن نتذكر نحن في يوم مولد نبينا صلوات الله عليه وآله فضل الله علينا به، وما أعقب مولده من بعثته وهدايته ونزول القرآن عليه، فنحمد الله ونشكره على هذه النعمة.
وإذا كان المسلمون يصومون بعض الأيام تعبّدًا لله وشكرًا له، فإن من تلك الأيام يوم الاثنين؛ وقد سئل النبي صلوات الله عليه وآله عن صيامه فقال: «ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت ـ أو أُنزل عليَّ فيه». وهنا نجد أن النبي نفسه ذكر يوم مولده، وربط خصوصية يوم الاثنين بحدثين عظيمين: مولده وبعثته. وهذا يلتقي مع قول القرآن في يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، ومع قول عيسى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾. فإذا كان يوم مولد النبي يمكن أن يكون سببًا لعبادة وشكر، وكان القرآن قد خص أيام ميلاد الأنبياء بالذكر، فإن تذكّر مولد خاتمهم والفرح بنعمة الله فيه وشكره عليها ليس أمرًا منفصلًا عن معاني الكتاب والسنة.
ثم إن الله سمّى بعثة النبي صلوات الله عليه وآله مِنّةً فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164]. وما أعجب التطابق بين دعوة إبراهيم: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ وبين تحقق الدعوة في قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. لقد تحولت الدعوة إلى واقع، والبشارة إلى رسول، والانتظار إلى نعمة حاضرة في الأمة.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. والتعبير هنا بلفظ ﴿جَاءَكُمْ﴾ يفتح لنا معنى الجيء بهذه النعمة إلى الأمة؛ فالله هو المنعم، ورسوله من أعظم مِننه على عباده، ولذلك لا يكون الفرح به فرحًا منفصلًا عن الله، بل هو فرح بالمنعم سبحانه وبفضله ورحمته. قال تعالى:
الورثة الشرعيون لمكارم الأخلاق: من الجاهلية إلى الرسالة المحمدية في زمنٍ ضجّت فيه الأصوات واختلطت فيه القيم، يعود التاريخ من خلال ضميره الحي ليذكرنا بأن الأخلاق كانت ولا تزال معيار السيادة، وسرّ الرسالات، وجوهر الفطرة. ولم يكن العرب في جاهليتهم سوى أمةٍ جبلت على مكارمٍ أخلاقية، وإن شابها شرك العقيدة، فقد بقي من معدنها ما استحق التكميل لا التبديل. وحين بُعث النبي محمد صلوات الله عليه وآله، لم ينفِ ما كان من تلك الفضائل، بل قال في حكمة خالدة: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
أولًا: مكارم الأخلاق قبل الإسلام – إرث الفطرة النقيّة لقد كانت الجزيرة العربية، رغم ما فيها من فوضى الاعتقاد، تحتفظ برصيد هائل من القيم الأخلاقية التي حفظت تماسك المجتمع. فكانت: - الصدق: أساس المعاملة، يقول زهير بن أبي سلمى: ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ *** وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمِ - الوفاء بالعهد: كما في قول السموأل: إذا المرءُ لم يدنس من اللؤم عرضهُ *** فكل رداءٍ يرتديه جميلُ - الكرم: حتى صار الجود صنو المجد، قال حاتم الطائي: وأكرم نفسي إنني إن أهنتها *** وحقك لم تكرم على أحدٍ بعدي - حسن الجوار، إجارة المستجير، إغاثة الملهوف، الشجاعة، الأمانة... كلّها كانت أخلاقًا يحتفي بها الجاهليون ويعدّونها من شرف النسب وسلامة العرض.
ثانيًا: النبي محمد صلوات الله عليه وآله: التتميم لا الاستبدال إن دقّة التعبير النبوي: "لأتمم" لا "لأغيّر"، تشي بعظمة المهمة؛ فقد جاء الإسلام ليُعلّي لا ليُلغي، ويُهذّب لا ليهدم، فجاء النبي ممثلًا بأخلاقه لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان الكامل. فكان يُعرف قبل بعثته بـ"الصادق الأمين"، وكان ملجأ المستجير، وكافل الضعيف، وهادي القافلة. وكان بني هاشم، من قبل الرسالة، الدرع الأخلاقي للبيت الحرام، وكانت تلك القيم تُعلّق عند باب الكعبة، كما قيل، فلا عجب أن يأتي منهم خاتم النبيين، الذي اختارته السماء ليكون ختام النبوّة وتمام الخُلُق.
ثالثًا: مسؤولية الهواشم في هذا العصر: نشر القيم وتجديد العهد
إن شرف النسب لا يُقاس بعلو الحسب فقط، بل بمدى استصحاب الرسالة الأخلاقية التي حملها النبي وأسرته من قبله ومن بعده. فالهواشم ليسوا فقط حملة نسب، بل ورثة أخلاق. وإن أولى ما يُحييه الهاشميون اليوم هو: - الصدق في القول والعمل - الكرم في السعة والضيق - الشجاعة في الحق - إجارة المستضعف والمستجير - الذود عن الجار - مجاراة الناس بالجميل - حمل السيف والقلم دفاعًا عن المظلوم لا الظالم وإذا فُقدت هذه المعاني من وجدان المنتسبين، فإنهم يكونون قد قطعوا أنفسهم عن أحقية الوراثة. قال المتنبي: ليس الفتى من قال كان أبي *** إن الفتى من قال ها أنا ذا
خاتمة لقد بُعث النبي ليُتمم، لا ليبدأ من فراغ. ومتى أدركنا هذا البعد، عرفنا أن الدعوة المحمدية ليست فقط في المساجد والمنابر، بل في الشيم والمواقف والسجايا. فكونوا أيها الهواشم على نهج جدكم الكريم، واعلموا أنكم ورثة نبوّة من باب الأخلاق قبل أن تكونوا من رحم النسب. إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهُ *** وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية كاتب ومؤرخ، وباحث في السيرة والهوية النبوية
قامت الأميرة الهاشمية الراحلة الملكة دينا عبد الحميد –رحمها الله- بنقل رسائل بن غوريون مؤسس دولة اسرائيل الى العربي ايماناً منها وهي الهاشمية صاحبة الغيرة على الأمن القومي العربي “أن من عرف لغة عدوه أمن شره”. الأميرة دينا عبد الحميد التي عملت فترة من الزمن استاذة في احدى الجامعات
وثيقة بيع شرعية نادرة من سوق السويق بينبع النخل سنة 1278هـ
توثق نشاطًا تجاريًا لرجال من قبيلة جهينة في أحد أشهر الأسواق التاريخية بالحجاز
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
تمثل هذه الوثيقة الشرعية، المؤرخة في 27 ربيع الآخر سنة 1278هـ، شاهدًا مهمًا على الحياة الاقتصادية في ينبع النخل خلال القرن الثالث عشر الهجري، إذ توثق عملية بيع عقار تجاري داخل سوق السويق، أحد أشهر الأسواق التاريخية في ينبع النخل، وتبرز في الوقت نفسه حضور رجال من قبيلة جهينة في النشاط التجاري وتداول الأملاك داخل أسواق الحجاز.
وبمطالعة كتب التاريخ يتبين أن ينبع سُمّيت بهذا الاسم لكثرة ينابيعها، إذ اشتهرت بوجود ما يزيد على تسعة وتسعين عينًا، ثم اقترن اسمها بـ النخل، فصار يقال ينبع النخل، في دلالة على العلاقة الوثيقة بين الماء والنخيل؛ فحيثما تدفقت العيون ازدهرت الواحات، وانتشرت بساتين النخيل في قرى ينبع، حتى غدت السمة الأبرز للمنطقة.
وقد أسهم هذا الموقع، بما حباها الله من وفرة المياه وخصوبة الأرض، في جعل ينبع النخل محطة رئيسة على طرق التجارة بين الحجاز والشام ومصر منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. ومع انتشار الإسلام، تعاظمت مكانتها، فأصبحت القوافل التجارية وقوافل الحجاج تمر بها، فنشأت فيها أسواق تاريخية ازدهرت بالحركة الاقتصادية، من أشهرها سوق السويق، إلى جانب سوق الجابرية وسوق سويقة، وهي أسواق عكست مكانة ينبع النخل مركزًا تجاريًا مهمًا في الحجاز.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، شهدت هذه الأسواق التاريخية أعمال ترميم وتأهيل وإحياء، لتستعيد مكانتها التاريخية وتواكب النهضة المباركة في ظل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي جعلت المحافظة على التراث العمراني والثقافي أحد أهم روافد الهوية الوطنية والتنمية والسياحة الثقافية.
وتثبت الوثيقة أن سالم بن سليم بن سنان، الموصوف بأنه بالغ عاقل رشيد، اشترى بماله الخاص من سعيد بن حميد شنهوري ثمانية قراريط من نصف دكان يقع في سوق السويق، بعد أن كان نصف الدكان الآخر مملوكًا له، فأصبح يملك حصة أكبر في العقار، مقابل مبلغ قدره 120 ريال فرنسا برؤوسها.
ولم تكتف الوثيقة بإثبات البيع، بل سجلت الحدود الشرعية للدكان بدقة، فذكرت الجوار والمعالم المحيطة به، ومنها قلعة أبو رقيبة، ودكان خليفة بن محمد شلياني، ودكان ابن هديلق، وهو ما يعكس دقة القضاء الشرعي في توثيق الأملاك، ويتيح للباحثين اليوم إعادة رسم ملامح النسيج العمراني والتجاري لسوق السويق في تلك الحقبة.
كما نصت الوثيقة على أن البيع كان بيعًا ناجزًا صحيحًا من وقته وحينه، حيث أعلن البائع أنه باع عن نفسه ومن يأتي بعده، وقبل المشتري الشراء لنفسه ولمن يأتي بعده، وهي من الصيغ الشرعية المألوفة في عقود البيع لإثبات انتقال الملكية انتقالًا نهائيًا.
أما الثمن، فقد بلغ 120 ريال فرنسا، وهي من العملات الفضية التي كانت متداولة في الحجاز خلال القرن الثالث عشر الهجري، وقد أقرت الوثيقة باستلام البائع كامل الثمن، وبراءة ذمة المشتري، وانتقال ملكية الحصة المبيعة إليه انتقالًا تامًا، مع ثبوت حقه في التصرف بها بجميع التصرفات الشرعية.
وتبرز الوثيقة كذلك أهمية النظام القضائي الشرعي في حفظ الحقوق، من خلال حضور الشهود وإثبات العقد، حيث شهد على البيع كل من:
فرج بن دخيل.و معتق.و عواد بن سعد الشيخ بن دخيل والشيخ بن عباد سنان.وحمود بن عطية شطيري.
و معتق بن مصلح العروي، كاتب الوثيقة وشاهدها.
وتكشف هذه الأسماء عن حضور رجال من قبيلة جهينة في النشاط التجاري، كما تؤكد المكانة التي حظيت بها الأسواق التاريخية في ينبع النخل بوصفها مراكز للبيع والشراء وتداول العقارات التجارية، في ظل منظومة شرعية دقيقة حفظت الحقوق والملكيات عبر وثائق ما زالت شاهدة إلى يومنا هذا.
وتعد هذه الوثيقة، التي تُنشر لأول مرة، إضافة مهمة إلى تاريخ أسواق ينبع النخل، فهي لا توثق مجرد عملية بيع لدكان، وإنما تقدم صورة متكاملة عن الحياة الاقتصادية، والعملات المتداولة، وأسماء التجار والشهود، وحدود السوق، وآليات القضاء الشرعي في توثيق البيوع، كما تؤكد استمرار الدور التجاري لمدينة ينبع النخل منذ قرون طويلة، وهو الدور الذي تحرص المملكة العربية السعودية اليوم على إحيائه والمحافظة عليه من خلال مشاريع تأهيل الأسواق التاريخية وربطها بمسارات التراث والثقافة والسياحة، ليبقى الماضي حاضرًا في ذاكرة المكان، ومصدر إلهام للأجيال القادمة.
#المدينة_المنورة
بيان منشور للدكتور الشريف حشيم بن غازي البركاتي حول الوثائق المنسوبة إلى الخواري
تعيد مجلة صِلَة نشر هذا البيان لما يتضمنه من رؤية نقدية تتعلق بالتحقق من الوثائق والأنساب، مع التأكيد أن الآراء والاستنتاجات الواردة فيه تعود إلى كاتبه، ويأتي نشره في إطار التوثيق وإتاحة المادة للباحثين والمهتمين.
بين سنن الله ومنهج العلم… قراءة منصفة في توقعات الزلازل وحركة الأجرام
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
أثار الباحث الهولندي فرانك هوغربيتس نقاشًا واسعًا بعد نشره توقعات تربط فترات ازدياد النشاط الزلزالي بأوضاع هندسية معينة بين الأرض والقمر وبعض الكواكب، ثم وقوع زلازل في الأزمنة أو الأقاليم التي سبق أن أشار إليها. وبين من يراه صاحب منهج جدير بالدراسة، ومن يرفض طرحه ابتداءً بوصفه خارجًا عن الإجماع العلمي، تضيع أحيانًا مساحة الإنصاف التي ينبغي أن يتحرك فيها البحث الحقيقي.
إن النقاش العلمي لا ينبغي أن يبدأ بالسخرية من الفكرة، كما لا ينبغي أن ينتهي بتحويل صاحبها إلى مصدر معصوم من الخطأ. فالميزان الصحيح هو النظر في منهجه، ورصد توقعاته السابقة للوقائع، ومقارنة ما تحقق منها بما لم يتحقق، ثم فحص مدى تفوقها على المصادفة والمعدلات الطبيعية للنشاط الزلزالي.
ومن خلال متابعة ما ينشره هوغربيتس، يتبين أنه لا يكتفي دائمًا بتفسير الزلازل بعد وقوعها، بل ينشر أحيانًا نوافذ زمنية سابقة للأحداث، ويشير إلى أقاليم أو درجات محتملة للنشاط. وقد تحقق بعض ما أشار إليه بصورة لافتة، وهو ما يجعل رفض تجربته من غير فحص موقفًا غير علمي، مثلما أن قبولها على وجه القطع من غير تحليل شامل لسجله ليس موقفًا علميًا كذلك.
وهنا يجب تصحيح مفهوم مهم: العالم حين يقدّم توقعًا لا يدّعي أنه أوجد الحدث، ولا أنه يتحكم فيه، ولا أنه يعلم الغيب استقلالًا، وإنما يحاول قراءة بعض السنن والأنماط الكونية، مستعينًا بما توفر لديه من الحساب والرصد والمقارنة.
فالفاعل على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، والأسباب الكونية كلها واقعة تحت مشيئته وتقديره. وقد جعل الله لهذا الكون سننًا وعلاقات يمكن للإنسان أن يلاحظها ويستفيد منها؛ فمعرفة تشكل السحب لا تصنع المطر، وقياس الضغط الجوي لا ينشئ العاصفة، ورصد حركة الصفائح لا يحدث الزلزال، وإنما هي محاولات بشرية لفهم المقدمات والدلالات التي أودعها الله في خلقه.
ومن ثم لا يصح الاعتراض على توقع هوغربيتس لمجرد أنه لم يحدد ساعة وقوع الزلزال ودقيقته؛ لأن ما يقدمه ـ وفق خطابه ـ هو تقدير احتمالي، لا وعد قطعي. والتوقعات العلمية عمومًا تتحرك ضمن نطاقات زمنية ومكانية واحتمالات متفاوتة، ولا تكون قيمتها منعدمة لمجرد أنها لم تبلغ درجة اليقين.
لكن الإنصاف نفسه يقتضي التفريق بين ثلاثة أمور: التزامن، والتأثير، والقدرة على التنبؤ.
قد يلاحظ الباحث تزامنًا متكررًا بين أوضاع فلكية معينة وازدياد النشاط الزلزالي، لكن التزامن وحده لا يكفي لإثبات السببية. وقد يثبت وجود تأثير فيزيائي ضعيف، من غير أن يكون كافيًا لتحديد مكان زلزال معين وزمانه. وقد ينجح النموذج في توقع بعض الفترات، لكنه يحتاج إلى اختبارات طويلة ومستقلة قبل اعتباره وسيلة تنبؤ موثوقة.
ومن هنا فإن الطريق العلمي الصحيح لا يتمثل في رفض طرح هوغربيتس لأنه يخالف السائد، ولا في اعتماده بسبب مجموعة من النجاحات اللافتة، وإنما في إخضاع منهجه لاختبار مسبق واضح: تُسجل توقعاته قبل وقوع الأحداث، وتحدد النوافذ الزمنية والمناطق وقوة الزلازل المحتملة، ثم تُحسب النجاحات والإخفاقات والإنذارات التي لم يتبعها حدث.
فلا يجوز اختيار التوقعات الناجحة وحدها وتجاهل الباقي، كما لا يجوز تجاهل الإصابات الحقيقية بدعوى أنها لا تنسجم مع النظريات المعتمدة. العلم لا ينتقي ما يوافقه، بل يجمع البيانات كلها ثم يحكم عليها بمنهج واحد.
ويثير هوغربيتس في منشوره مسألة «الإجماع العلمي»، وهي مسألة تحتاج إلى ضبط. فالإجماع ليس دينًا ولا حقيقة معصومة، وقد تغيرت آراء علمية كثيرة عبر التاريخ بعد ظهور أدلة جديدة. لكنه في الوقت نفسه ليس مجرد اتفاق نفسي أو سياسي؛ بل يكون غالبًا خلاصة لتراكم الدراسات والاختبارات والمراجعات.
ومن الخطأ أن يُستخدم الإجماع لإغلاق باب البحث، كما أن من الخطأ أن يُستخدم احتمال خطأ الإجماع لإعفاء الفرضية الجديدة من عبء الإثبات.
فليس كل ما يخالف الرأي السائد علمًا صحيحًا بالضرورة، وليس كل ما لم يجد تفسيرًا كاملًا علمًا زائفًا. والحد الفاصل هو قابلية الفكرة للاختبار والتكرار والمراجعة المستقلة.
كما أن القول بإمكان وجود آليات أخرى غير الجاذبية لا يكفي وحده لإثباتها، لكنه يفتح بابًا مشروعًا للبحث؛ إذ ربما توجد تأثيرات أو تفاعلات لم تُفهم بعد بصورة كاملة. والتاريخ العلمي مليء بظواهر رُصدت قبل أن تُعرف آلياتها الدقيقة، لكن ذلك لم يمنع من إخضاعها للاختبار بدل رفضها ابتداءً.
والأدق في قراءة تجربة هوغربيتس أن نقول: إنه يعرض فرضية ورصدًا وتوقعات تستحق الفحص الجاد، وبعض توقعاته السابقة للأحداث جدير بالتوقف والتحليل، غير أن إثبات صحة منهجه لا يتم بالإعجاب أو المعارضة، بل بدراسة سجله الكامل من جهة مستقلة،
المثلث السُّني يكتمل في مكة
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
السعودية وتركيا وباكستان… معاهدة مكة المكرمة ترسم مثلثًا استراتيجيًا جديدًا من البحر الأحمر إلى الأناضول وجنوب آسيا
لم تعد التحولات التي يشهدها العالم الإسلامي اليوم تُقرأ فقط من خلال مواقف منفردة أو تفاهمات ثنائية عابرة، بل باتت تتجه بصورة متزايدة نحو إعادة تشكيل موازين القوة وصياغة ترتيبات أمنية وسياسية جديدة. ومن هذا المنظور تكتسب معاهدة مكة المكرمة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية دلالة تتجاوز نصوصها المباشرة إلى ما يمكن أن تمثله من ولادة مثلث استراتيجي جديد في قلب العالم الإسلامي.
ويمكن وصف هذا التكوين، من الناحية الجيوسياسية، بأنه المثلث السُّني؛ ليس بوصفه اصطفافًا مذهبيًا موجهًا ضد طرف بعينه، وإنما باعتبار أن الدول الثلاث تمثل أثقالًا رئيسية في الفضاء الإسلامي السُّني، وتجمع بينها قدرات سياسية وعسكرية واقتصادية وجغرافية تجعل اجتماعها في إطار دفاعي مشترك حدثًا يستحق قراءة أوسع من حدود المناسبة نفسها.
تمثل المملكة العربية السعودية الضلع المركزي في هذا المثلث؛ فهي تحتضن الحرمين الشريفين، وتمتلك ثقلًا عربيًا وإسلاميًا واقتصاديًا كبيرًا، فضلًا عن موقع جغرافي بالغ الأهمية يشرف على البحر الأحمر والخليج العربي ويتصل بممرات الطاقة والتجارة الدولية. ولهذا فإن انعقاد الاتفاق في مكة المكرمة يضيف إليه بعدًا رمزيًا وسياسيًا يتجاوز المكان، إذ تتحول مكة هنا من رمز ديني جامع إلى موضع إعلان لتفاهم استراتيجي بين ثلاث قوى إسلامية كبرى.
أما تركيا فتمثل الامتداد الشمالي للمثلث، بما تمتلكه من قوة عسكرية وصناعات دفاعية متنامية وموقع يتحكم في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية عند التقاء آسيا بأوروبا والبحر الأسود والبحر المتوسط. كما أن عضويتها في حلف شمال الأطلسي تمنحها خبرة واسعة في منظومات الدفاع الحديثة والتنسيق العسكري والاستخباراتي.
ويأتي الضلع الثالث ممثلًا في باكستان، وهي دولة ذات ثقل سكاني وعسكري كبير، وتملك قوة نووية تجعلها ذات وزن استراتيجي استثنائي في العالم الإسلامي. كما أن موقعها على بحر العرب وقربها من المحيط الهندي وآسيا الوسطى والصين والهند يمنح أي تعاون معها امتدادًا جغرافيًا لا يتوافر في كثير من التحالفات الإقليمية الأخرى.
وعند جمع هذه العناصر الثلاثة يظهر أمامنا نطاق جغرافي بالغ الاتساع؛ يبدأ من البحر الأحمر والخليج العربي، ويمر بالأناضول، ويمتد إلى بحر العرب وجنوب آسيا. وهذا وحده يكشف أن المسألة ليست مجرد تقارب سياسي، بل يمكن أن تؤسس، إذا تطورت مؤسساتيًا، لشبكة تعاون في الدفاع والصناعات العسكرية والأمن البحري والتدريب وتبادل المعلومات وحماية الممرات الحيوية.
ومن هنا فإن عبارة «المثلث السُّني اكتمل في مكة» تحمل معنى سياسيًا أكثر عمقًا مما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فاكتمال المثلث لا يعني بالضرورة قيام حلف عسكري مغلق أو تشكيل محور صدامي، وإنما يعني اجتماع ثلاثة مراكز قوة كانت علاقاتها في السابق تتحرك في مسارات متفاوتة، ثم وصلت اليوم إلى نقطة التقاء يمكن أن تنتج عنها صيغة تعاون أكثر انتظامًا.
وتبرز أهمية هذا التفاهم أيضًا في توقيته؛ فالعالم يشهد تحولات حادة في بنية النظام الدولي، وتراجعًا متزايدًا لفكرة الاعتماد المطلق على المظلات الأمنية التقليدية، مع صعود مفهوم تنويع الشراكات وبناء القدرات الذاتية. ولذلك تبدو الدول الكبرى في المنطقة أكثر اهتمامًا بتأسيس شبكات أمنية مرنة تحفظ استقلال قرارها وتمنحها خيارات متعددة بدل الارتهان لمسار دولي واحد.
كما يمكن لمعاهدة مكة أن تفتح بابًا واسعًا أمام التعاون في الصناعات الدفاعية. فتركيا راكمت خلال السنوات الأخيرة خبرة ملحوظة في الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والصناعات البرية والبحرية، بينما تمتلك باكستان قاعدة عسكرية وصناعية وخبرة طويلة في تطوير منظومات التسليح، في حين تمتلك المملكة القدرة المالية والاستثمارية والرؤية الطموحة لتوطين الصناعات العسكرية ضمن مشروعاتها الاستراتيجية الكبرى.
وإذا تطور التعاون بين الدول الثلاث من التنسيق السياسي إلى التكامل الصناعي والتقني، فإن الأثر قد يتجاوز شراء السلاح إلى تصنيعه وتطويره داخل العالم الإسلامي نفسه، وهو تحول أكثر أهمية على المدى الطويل؛ لأن الاستقلال الدفاعي لا يقاس بعدد الأسلحة المشتراة، وإنما بحجم المعرفة والتقنية والقدرة على الإنتاج والصيانة والتطوير.
من زقاق عدسة إلى الأمير عبدالله الفيصل
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
وثائق مكية تكشف الحارات والأزقة ونظام استبدال الأوقاف وسلسلة انتقال عقار من الملكة خديجة عادلة خانم حتى سنة 1372هـ
لا تقف قيمة الوثائق العقارية والوقفية القديمة في مكة المكرمة عند إثبات ملكية عقار أو تسجيل بيع واستبدال، وإنما تتجاوز ذلك لتصبح مصدرًا أصيلًا لدراسة تاريخ المدينة نفسها؛ فهي تحفظ أسماء الحارات والأزقة التي اندثر بعضها، وتكشف حدود الدور والأوقاف، وتعرّفنا بموظفي الحكومة وأصحاب الوظائف القضائية والدينية والبلدية، وتوضح الأنظمة والإجراءات التي كانت تحكم الأوقاف والتصرف فيها. ومن هذا النوع تأتي مجموعة من الوثائق التي تتبع عقارًا في الغَزّة من محلة شِعب عامر، في زقاق عدسة، وتتيح لنا تتبع جانب من تاريخه منذ وثيقة الاستبدال المؤرخة في 20 صفر سنة 1333هـ، وصولًا إلى انتقال العقار بالميراث عبر عدة مراحل، ثم بيع ورثة الملك عبدالله الأول له سنة 1372هـ إلى صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل.
تبدأ القصة بوثيقة وقف للمرحوم الشيخ عبد الحفيظ بن محمد علي بن عطاء الله خوج المسيكي، وكان الموقوف عبارة عن فرن مع مخزن يقع في الغزة من محلة شِعب عامر في زقاق عدسة. وقد سجلت الوثيقة مقاييسه بعناية؛ فكان طوله من الشام إلى اليمن مما يلي الشرق تسعة عشر ذراعًا، ومن الشام إلى اليمن مما يلي الغرب سبعة عشر ذراعًا، ومن الشرق إلى الغرب مما يلي الشام سبعة أذرع، ومن الشرق إلى الغرب مما يلي اليمن عشرة أذرع وعشرة قراريط. وهذه المقاييس وطريقة وصف الاتجاهات بالشام واليمن والشرق والغرب تقدم للباحث صورة عن اللغة العقارية المكية التي كانت متداولة في الحجج والصكوك.
وتزداد أهمية الوثيقة في تحديدها الدقيق للحدود؛فالفرن ومخزنه كان يحدهما شرقًا دار وقف الشيخ تاج الدين الزرع، وغربًا دار وقف عبد الحفيظ خوج،وشمالًا مما يلي الشام زقاق عدسة وبه باب العقار، ومن جهة اليمن الخلاء السماوي الفاصل بين هذه الحدود وبين دار وقف الشيخ محمد جلال القماش. وبهذا لا تحفظ الوثيقة اسم «زقاق عدسة»فحسب،وإنما تضعه في سياق عمراني متكامل بين دور وأوقاف وممرات، الأمر الذي يجعل مثل هذه الحجج مادة أساسية لمن يريد إعادة تصور خريطة شِعب عامر والغزة ومكة القديمة عمومًا.
وكان الفرن الوقفي ومخزنه عند إجراء المعاينة قد أصابهما الخراب، وتصفهما الوثيقة بأنهما خربان متهدمان لا ينتفع بهما أصلًا ولا يمكن إعمارهما، ولم تكن لهما غلة يمكن الإنفاق منها على إصلاحهما،ولا مستغلات أخرى للوقف يمكن أن تمول عمارتهما،حتى انتهى الأمر إلى أن غرض الواقف قد فات. وهذه العبارة ذات دلالة مهمة في فهم نظام الأوقاف،إذ تعني أن العين الموقوفة لم تعد تحقق المنفعة التي قصدها الواقف، فأصبح النظر في استبدالها بعقار أصلح منها سبيلًا لحفظ منفعة الوقف بدل إبقائه معطلًا.
ولم يكن الاستبدال يتم بمجرد رغبة الناظر أو اتفاق طرفين، بل تكشف الوثيقة عن وجود هيئة قومسيون مشكلة للنظر في الأماكن التي يراد استبدالها. وقد انتقلت الهيئة إلى الموقع ووقفت على الفرن ومخزنه، وعاينت حالتهما، وقررت أنهما منهدمان ولا يمكن إعمارهما ولا غلة لهما، وأن الاستبدال فيهما قد أصبح سائغًا بعد فوات الغرض من الوقف.ثم قامت بتقويمهما، ومع التحري والدقة قدرت أعلى قيمة لهما في حالتهما القائمة بمائة وأربعين ليرة عثمانية.
بعد ذلك وقفت الهيئة على الدار المملوكة التي يراد استبدال الفرن ومخزنه بها، فوجدتها، بحسب نص الوثيقة، دارًا عامرة قوية العمار، وبناؤها جديد، وتكثر الرغبات في سكناها، كما تبين أن أجرتها تزيد على عشر ليرات عثمانية وأن لها ريعًا وافرًا، وفيها صيانة لمنافع الوقف حالًا ومآلًا. ومن اللافت في طريقة التثمين أن الهيئة قدرت العين الوقفية الخربة بأعلى ثمن لها، بينما قدرت الدار التي ستدخل في الوقف بأبخس ثمن لها، فبلغ تقديرها مائة وستين ليرة عثمانية، أي بزيادة عشرين ليرة على قيمة الفرن والمخزن، فضلًا عن كون الدار عامرة ومدرة للريع.
وهنا تظهر بوضوح عناية النظام الوقفي بتحقيق ما تسميه الوثيقة «الغبطة والمصلحة لجهة الوقف»؛ فالمعيار لم يكن مجرد التساوي العددي بين قيم العقارات، وإنما النظر إلى حال البناء والريع، والإقبال على السكن، واستمرار المنفعة، وما إذا كان العقار الجديد أصلح للوقف حاضرًا ومستقبلًا. وهذه التفاصيل تجعل الوثيقة نموذجًا عمليًا نادرًا لفهم نظام استبدال الأوقاف في مكة المكرمة في ذلك العهد، وليس مجرد نص فقهي نظري.
كما تكشف المضبطة أن موافقة القومسيون لم تكن نهاية الإجراءات، بل كان يلزم التصديق عليها من مجلس إدارة الولاية الجليلة الحجازية، ثم تقديمها إلى نظارة الأوقاف الهمايونية، ورفعها إلى السدة العالية لالتماس الإذن العالي بإجراء الاستبدال.
الحمد لله الذي استجاب دعوة إبراهيم، وحقق بشارة عيسى، وأظهر فينا خاتم النبيين، وأرسله رحمة للعالمين، ومنَّ به على المؤمنين. نفرح بفضل الله، ونشكره على نعمته، ونكثر من الصلاة والسلام على نبيه وآله، ونتذكر أيام الله التي ابتدأ فجرها في تاريخ هذه الأمة بمولد الرحمة صلوات الله عليه وآله.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾.
قبل أكثر من قرن.. وثيقة تكشف بواكير تعليم المرأة في الحجاز
مدرسة ابتدائية للبنات في جدة سنة 1332هـ.. والحكومة تطالب بمعلمة تتقن العربية
من جدة إلى مكة والمدينة والطائف وينبع والليث والقنفذة.. وثيقة عثمانية تفتح ملفًا تاريخيًا مهمًا عن بدايات التعليم النظامي للمرأة في مدن الحجاز
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
تكشف وثيقة رسمية محفوظة ضمن سجلات المعارف، وتحمل الرقم MF. İBT 503/16، جانبًا مهمًا من تاريخ تعليم المرأة في الحجاز قبل أكثر من قرن، وتقدم شاهدًا وثائقيًا على أن إنشاء مدرسة ابتدائية للبنات في جدة كان قرارًا رسميًا اتخذته الحكومة، وأن العقبة التي أخرت افتتاح المدرسة لم تكن اعتراضًا على تعليم الفتاة أو منعًا له، وإنما عدم العثور على معلمة مؤهلة تتقن اللغة العربية.
وتكتسب الوثيقة أهمية خاصة من تاريخها المبكر؛ فقد صدرت عن متصرفية لواء جدة – دائرة المكاتبات في 21 ربيع الآخر سنة 1332هـ، الموافق 5 مارت سنة 1330 رومي، في مارس 1914م، ووجهها متصرف جدة إلى نظارة المعارف، طالبًا منها الإسراع في توفير المعلمة اللازمة للمدرسة.
وجاء في الوثيقة: «على الوجه الذي به علم صاحب المقام العالي، تقرر إنشاء مدرسة ابتدائية للبنات في جدة. بيد أنه لم يكن من الممكن الحصول على معلمة لها في تلك المنطقة. ولهذا السبب لم يتم حتى الآن افتتاح المدرسة المذكورة. وفي الواقع توجد هناك حاجة ماسة للمدرسة المذكورة، وهو أمر لا يحتاج إلى بيان وتوضيح».
ثم يحدد متصرف جدة بصورة واضحة مواصفات المعلمة المطلوبة، فيقول: «بناءً عليه فإننا نلتمس في أن تقوم نظارة المعارف بالإسراع في تعيين معلمة تتميز بالكفاءة، وتجيد اللغة العربية بامتياز، والحصول على الإذن المطلوب في هذا الشأن من صاحب المقام العالي». ويختم المكاتبة بالصيغة الإدارية المعهودة: «والأمر والفرمان في هذا الباب لحضرة من له الأمر». ويظهر في نهاية الوثيقة توقيع متصرف جدة مع ختم غير مقروء.
وهنا تظهر الدلالة التاريخية الأبرز للوثيقة؛ فالمكاتبة لا تناقش جواز إنشاء مدرسة للبنات، ولا تطلب موافقة مبدئية على تعليم المرأة، ولا تسجل اعتراضًا على أصل المشروع، وإنما تبدأ من حقيقة إدارية واضحة وحاسمة: «تقرر إنشاء مدرسة ابتدائية للبنات في جدة». وهذا يعني أن مرحلة إقرار إنشاء المدرسة كانت قد تمت بالفعل، وأن المشكلة التي واجهت الإدارة بعد ذلك كانت مشكلة تنفيذية تتمثل في عدم العثور على المعلمة المناسبة.
وهذا فارق مهم في قراءة تاريخ تعليم المرأة في الحجاز؛ لأننا لسنا أمام مبادرة فردية أو حلقة تعليم منزلية أو كُتّاب أهلي فحسب، وإنما أمام مشروع حكومي رسمي لمدرسة ابتدائية للبنات، تتولى أجهزة الدولة متابعة إنشائها وتعيين المعلمة اللازمة لها.
والأكثر دلالة أن متصرف جدة لم يكتف بطلب معلمة، وإنما أكد لنظارة المعارف أن حاجة جدة إلى مدرسة البنات «حاجة ماسة»، وأن ذلك «أمر لا يحتاج إلى بيان وتوضيح»، وهي عبارة بالغة الأهمية؛ لأنها تعكس نظرة الإدارة الرسمية إلى ضرورة وجود المدرسة، وتدل على أن النقاش الإداري لم يكن منصبًا على أصل تعليم البنات، وإنما على كيفية إخراج المشروع إلى حيز التنفيذ.
ومن التفاصيل اللافتة كذلك اشتراط أن تكون المعلمة المطلوبة ذات كفاءة وأن «تجيد اللغة العربية بامتياز». وهذا الشرط ليس تفصيلًا عابرًا؛ إذ يكشف وعي الإدارة بطبيعة المجتمع الذي ستعمل فيه المدرسة، وأن مجرد توفير معلمة لم يكن كافيًا، بل كان المطلوب اختيار معلمة تستطيع التدريس والتواصل باللغة العربية في البيئة الحجازية.
وهذا يثير بدوره سؤالًا تاريخيًا مهمًا: من أين كانت تأتي المعلمات اللاتي يعملن في مدارس البنات في ذلك العهد؟ وأين كن يتلقين إعدادهن؟ وكيف كانت تتم إجراءات تعيينهن ونقلهن بين المدن والولايات؟ فمجرد مطالبة متصرفية جدة لنظارة المعارف بتوفير معلمة بالمواصفات المطلوبة يوحي بأن الأمر كان يجري ضمن جهاز إداري وتعليمي أوسع من حدود جدة نفسها.
وتزداد أهمية الوثيقة بالنظر إلى الإحالات الإدارية المدونة عليها؛ فقد أحيلت إلى «التدريس الابتدائي» في 18 مارت سنة 1330 رومي، ثم إلى «الشعبة الأولى» في التاريخ نفسه، ثم إلى «ضياء بك» في 19 مارت، قبل أن يرد التوجيه: «يتم الحفظ إلى حين وصول رد الولاية». وهذه الإحالات تبين أن خطاب متصرفية جدة لم يبق مجرد طلب محلي، وإنما دخل في الدورة الإدارية الرسمية لأجهزة المعارف، وانتقل بين الجهات المختصة للنظر في توفير المعلمة واستكمال الإجراءات المتعلقة بالمدرسة.
وهذا المسار الإداري يكشف جانبًا مهمًا من البنية التعليمية آنذاك؛ إذ يظهر أن تعليم البنات كان داخل اختصاص جهاز المعارف، وأن إنشاء مدرسة لهن وتعيين معلمة لها يعامل بوصفه شأنًا من شؤون التعليم الابتدائي الرسمي.
«سُبحان» على عتبة الانتقال
تدبر في الإسراء والسفر ودلالات التسبيح في القرآن المجيد
تدبر: الشريف محمد بن علي الحسني
بدأ هذا التدبر من سؤال لافت: لماذا افتتح الله الإسراء بقوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، ولماذا نقول عند الركوب والسفر ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾؟
الأصل المقرر في معنى «سبحان» هو تنزيه الله وتقديسه عن كل نقص وما لا يليق به، كما في قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. غير أن تتبع مواضعها يكشف أنها تأتي كثيرًا عند الحد الذي يظهر فيه الفرق بين قدرة الخالق وحدود المخلوق.
فالملائكة حين وقفوا عند حدود علمهم قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:32]. وعند الركوب يقول الإنسان: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:13]؛ فيعترف بأن قدرته على الانتقال لم تكن مستقلة، وإنما قامت على تسخير الله.
وهنا يظهر سر المقارنة مع الإسراء: ففي السفر سخّر الله للعبد ما ينتقل به، أما في الإسراء فقد قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:1]؛ فلم يُسند الفعل إلى العبد، وإنما إلى الله. فالرسول صلوات الله عليه وآله هو العبد الذي أُسري به، والله هو الذي أسرى.
وتؤكد سورة الإسراء نفسها هذا المعنى حين طالب المشركون الرسول بقولهم: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾، فجاء الجواب: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:93]. ففي أول السورة هو عبد، وهنا هو بشر رسول؛ أما القدرة الخارقة فهي لله. ومن هنا يصبح افتتاح الإسراء بـ«سبحان» كأنه يضبط ميزان النظر إلى المعجزة: لا تقس قدرة الذي أسرى بقدرة العبد الذي أُسري به.
ويتكرر هذا المعنى في مواضع أخرى. يقول يونس عليه السلام: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:87]؛ توحيد لله، وتنزيه له، وإرجاع النقص إلى العبد. وحين نسبوا إلى الله الولد قال: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس:68]؛ فالخالق منزّه عن أن تُسقط عليه خصائص المخلوق. ولهذا قال أيضًا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ… سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:67].
ويلفت النظر كذلك حضور التسبيح عند تحولات الزمن: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:41]، و﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:42]، و﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:17]. كما يقول سبحانه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:1]. فلا ينبغي أن يصبح تقدير الإنسان للزمن واستعجاله مقياسًا لأمر الله.
أما الجذر س ب ح فيستعمله القرآن أيضًا في الحركة والجريان: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:7]، و﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:40]. ولا يعني ذلك أن «سبحان» معناها الحركة؛ فمعناها المباشر هو التنزيه، لكن اشتراك الألفاظ في الجذر يفتح بابًا لغويًا للتأمل في الصلة بين السبح والامتداد والبعد وبين التنزيه والإبعاد عن النقص.
ثم تأتي آية الركوب لترد الإنسان من رحلته الصغيرة إلى رحلته الكبرى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا… وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. ويلتقي ذلك مع ختام يس: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:83].
وهنا تتضح خلاصة التدبر: «سبحان» تنزّه الخالق، وفي الوقت نفسه تعيد المخلوق إلى حدوده الصحيحة؛ فعلمه مما علّمه الله، وقدرته مما سخّره الله، والرسول عبدٌ بشرٌ رسول، والخلق والملكوت والأمر لله.
ومن ثم يكون الجواب عن السؤال الذي بدأ منه التدبر:
في السفر سخّر الله للعبد ما ينتقل به، وفي الإسراء أسرى الله بعبده؛ وفي الحالين جاءت «سبحان» لتردّ القدرة إلى الله وتنزهه عن أن تُقاس أفعاله بحدود قدرة المخلوق.
فالقرآن لم يقل إن العبد أسرى بنفسه، بل قال: ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. وحين طُلب من الرسول أن يرقى في السماء بقدرته قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.
وهكذا تبدأ الرحلة بـ**«سبحان»** وتنتهي بالرجوع إلى الله:
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾
من شَفْع الخلق إلى وَتْر التوحيد
قراءة قرآنية في مفتاح الوجود
قراءة تدبرية للشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
يقول الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 1–5]. تبدو عبارة ﴿والشفع والوتر﴾ لأول وهلة واضحة من جهة أصل اللغة؛ فالشفع ما خرج من الانفراد بانضمام غيره إليه، والوتر الفرد. ولكن هذه الدلالة العددية لا تجيب وحدها عن السؤال الأعمق: لماذا أقسم الله بالشفع والوتر؟ وما كنه الشفع والوتر إذا تتبعناهما في شبكة البيان القرآني كله؟ وهل نحن أمام مجرد الزوجي والفردي، أم أمام مفتاح أوسع لفهم الوجود والتوحيد؟
وقد تعددت أقوال أهل التفسير في تعيين المراد بالشفع والوتر، فحُملا على أيام مخصوصة، وعلى الصلاة وركعاتها، وعلى الخلق والخالق، وعلى غير ذلك. ولا تسعى هذه القراءة إلى إبطال ما صح من تلك الأقوال، ولا إلى الزعم بأنها تقدم التفسير الحصري لمراد الله؛ وإنما هي قراءة تدبرية تنطلق من القرآن نفسه، فتتتبع الزوجية والاقتران والتثنية، ثم تتتبع الواحد والأحد ونفي الشريك والكفؤ والمثيل، لتختبر احتمال أن يكون الشفع أوسع من مجرد العدد الزوجي، وأن يكون الوتر أعمق من مجرد العدد الفردي؛ فالشفع يكشف جانبًا من بنية عالم الخلق القائم على الاقتران والتعدد والعلاقات والأسباب، بينما يبلغ الوتر كمال معناه في الله الأحد الصمد الذي لا شريك له ولا كفؤ ولا نظير.
ولعل أهم موضع يبدأ منه التدبر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]. فالقرآن لم يحصر الزوجية في الإنسان أو الحيوان أو التكاثر، وإنما جاء بالتعبير الواسع ﴿من كل شيء﴾، ويقول سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 36]. فالأزواج تشمل ما تنبت الأرض والإنسان ثم تمتد إلى ﴿مما لا يعلمون﴾. ولا يصح أن نحمل العبارة على اكتشاف علمي حديث بعينه لم يسمه القرآن، لكن النص نفسه يوسع مفهوم الزوجية إلى ما وراء معلوم الإنسان. ويقول: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: 45]، ويقول: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: 8]. فالزوجية ليست مجرد رقمين، وإنما علاقة يقوم عليها جانب عظيم من نظام الحياة. ولذلك فقولنا إن الشفع سمة واسعة في عالم الخلق لا يعني أن كل مخلوق منفرد عدده اثنان؛ فقد يكون الإنسان واحدًا والجبل واحدًا والشجرة واحدة، وإنما المقصود أن الاقتران والزوجية والتقابل والتكامل والعلاقات سنن واسعة في المخلوقات.
وعند تتبع القرآن نجد عالمًا زاخرًا بالثنائيات: الليل والنهار، الشمس والقمر، السماوات والأرض، الذكر والأنثى، الموت والحياة، الدنيا والآخرة، المشرق والمغرب، البر والبحر. وليست كلها أزواجًا بمعنى اصطلاحي واحد؛ فالذكر والأنثى تكامل، والليل والنهار تعاقب، والموت والحياة تقابل، والدنيا والآخرة مرحلتان، لكن الجامع بينها كثافة حضور الثنائية والاقتران والتقابل في تصوير عالم الخلق. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: 12]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنبياء: 33]. ليل ونهار، وشمس وقمر، ولكن خالق الجميع واحد: ﴿وهو الذي خلق﴾. وهنا يبدأ الانتقال من تعدد الآيات إلى وحدة صانعها.
ومن أقوى ما يلفت النظر أن القرآن لا يعرض الثنائيات ثم يتركها مستقلة، وإنما يردها إلى مرجع واحد. قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]؛ مشرق ومغرب ثم ﴿لا إله إلا هو﴾. ويقول: ﴿وَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم: 25]؛ أولى وآخرة ولكنهما لله. ويقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]؛ خلق وأمر ولكنهما له. ومن هنا تتشكل قاعدة أساسية: التعدد في جهة الخلق والآثار، والوحدة في جهة المصدر والملك والسلطان.
وثنائية الخلق والأمر تضيف بعدًا أعمق. فالقرآن يقول: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، ويقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، ويقول: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]. ولا ينبغي تحويل ذلك إلى تقسيم فلسفي تفصيلي لم يصرح به القرآن، لكن الواضح أن القرآن يميز بين الخلق والأمر ثم يجمعهما تحت سلطان واحد: ﴿له﴾. فالثنائية لا تعني تعدد السلطان.
الوتر لا يلغي الشفع؛ بل الشفع يدل على الوتر، والكثرة لا تنقض التوحيد؛ بل انتظام الكثرة يدل على وحدة المدبر.
تراويح كامبردج.. شهادة أمير قطر في الشريف الدكتور راشد الراجح
الدكتور محمد المسفر يروي الواقعة شاهدًا عليها: حمد بن خليفة قدَّمه للإمامة وشهد بأنه كان يشعر بالخشوع في الصلاة خلفه
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
ليست كل الشهادات التاريخية محفوظة في الوثائق المكتوبة؛ فبعضها يبقى في ذاكرة شهود عصره، ليكشف بعد سنوات تفاصيل إنسانية لا نجدها في السِّيَر الرسمية.
ومن هذه الشهادات ما رواه لي الدكتور محمد المسفر خلال لقاء جمعني به، عندما تحدث عن فترة دراسته للغة في جامعة كامبردج، واستعاد ذكريات المبتعثين العرب والمسلمين الذين كانوا يجتمعون للصلاة في غرفة معدة لذلك داخل أروقة الجامعة.
وفي شهر رمضان كان المبتعثون يجتمعون في ذلك المصلى لأداء صلاة التراويح، وكان بينهم آنذاك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أصبح فيما بعد أمير دولة قطر، والدكتور العسال، والشريف الدكتور راشد الراجح العبدلي، رحمه الله، الذي كان مبتعثًا لدراسة الدكتوراه في جامعة كامبردج.
من تصحيح القراءة إلى إمامة التراويح
يروي الدكتور المسفر أن الدكتور العسال كان يتقدم المصلين في صلاة التراويح، وكان يقع في أخطاء أثناء قراءة القرآن، فيقوم الدكتور راشد الراجح بتصويب القراءة له.
ومع تكرر التصويب، أوعز الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى الدكتور العسال أن يترك الإمامة للدكتور راشد، فتقدم الشريف الدكتور راشد الراجح وصلى بالمبتعثين التراويح في مصلى جامعة كامبردج.
وهنا تأتي أهم دلالات الرواية؛ فقد نقل الدكتور المسفر أن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان يشعر بالخشوع في الصلاة خلف الدكتور راشد الراجح.
ومن المهم توثيقيًا التفريق بين صاحب الشهادة وراويها: فالشهادة بالخشوع هي من أقوال الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أما الدكتور محمد المسفر فهو شاهد الواقعة وراويها وناقل هذه الشهادة.
شهادة أمير.. ورواية شاهد
وتكشف هذه الواقعة جانبًا لا تسجله الشهادات الجامعية في سيرة الدكتور راشد؛ فهو لم يكن في كامبردج طالب دكتوراه فحسب، بل كان حاضرًا بين زملائه بمعرفته بكتاب الله وضبط قراءته، حتى انتقل من تصحيح القراءة إلى إمامة المصلين.
وتزداد قيمة الشهادة حين نعلم أن تقديمه للإمامة جاء بإشارة من الشيخ حمد بن خليفة، ثم بقي أثر صلاته في نفسه حتى عبّر عن شعوره بالخشوع خلفه.
وهي شهادة غير مستغربة في حق الشريف الدكتور راشد الراجح، رحمه الله، لكنها تكتسب اليوم قيمة تاريخية؛ لأنها تنقل لنا جانبًا من حياته في سنوات الابتعاث على لسان شاهد عاش تلك المرحلة.
المبتعثون.. مجتمع واحد
وتحمل رواية الدكتور المسفر دلالة أخرى جميلة؛ إذ تكشف طبيعة مجتمع المبتعثين في ذلك الزمن. ففي مصلى كامبردج اجتمع القطري والسعودي وغيرهما دون أن تفرق بينهم الجنسيات أو الحدود السياسية؛ جمعتهم الغربة والدراسة، وجمعهم في رمضان القرآن وصلاة التراويح.
وكان معيار التقديم للإمامة هو الأقرأ والأضبط لكتاب الله، لا الجنسية ولا المكانة الاجتماعية.
وهكذا تقدم لنا هذه الذكرى صورة لجيل من المبتعثين كانت الجامعة تجمعهم في طلب العلم، وكان المصلى يجمعهم في العبادة والألفة.
ذاكرة تحفظ ما لم تحفظه الأوراق
تكمن أهمية شهادة الدكتور محمد المسفر في كونها جزءًا من التاريخ الشفوي لسيرة الشريف الدكتور راشد الراجح؛ فهي تحدد المكان والأشخاص والسياق، وتنقل واقعة عاشها الراوي بنفسه.
إنها ليلة من ليالي رمضان في كامبردج: مصلى صغير داخل الجامعة، ومجموعة من المبتعثين، وطالب يصحح قراءة الإمام، فيطلب الشيخ حمد بن خليفة تقديمه للصلاة، ثم يشهد بأنه كان يشعر بالخشوع خلفه.
ومرت الأعوام؛ فأصبح حمد بن خليفة أميرًا لدولة قطر، ومضى الدكتور راشد الراجح في مسيرته العلمية، وبقي الدكتور محمد المسفر شاهدًا يحمل ذكرى تلك الليالي حتى رواها لنا.
إنها شهادة أمير، ورواية شاهد، وذكرى مضيئة من محراب العلم والقرآن في كامبردج.
:::
قريش من كنانة في الحديث والنسب… فهل تعكس المشاريع الجينية هذه الحقيقة؟
قراءة نقدية في مشروعي L859 لقريش و FGC4302 لكنانة
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
حين يدخل علم الجينات ميدان الأنساب، ينبغي التفريق بين النتيجة المختبرية والتفسير التاريخي. فالتحور الجيني يثبت اشتراك رجال في خط أبوي واحد، وقد يساعد في تقدير زمن الجد الجامع، لكنه لا يخبرنا باسم ذلك الجد ولا قبيلته إلا إذا قامت قرائن تاريخية ونسبية مستقلة على تعيينه.
ومن هنا تظهر أهمية المقارنة بين مشروعين جينيين: مشروع قريش وبني هاشم المرتبط بـ L859، ومشروع كنانة الذي يحمل اسم J1-FGC4302.
فالحديث النبوي الصحيح يقرر تسلسلًا نسبيًا واضحًا:
إسماعيل ← كنانة ← قريش ← بنو هاشم.
وبناءً على ذلك، إذا كان تحور ما يمثل كنانة الجامعة، وكان تحور آخر يمثل قريش الجامعة، فينبغي أن يكون تحور قريش واقعًا تحت تحور كنانة على شجرة Y-DNA؛ لأن قريش فرع أبوي من كنانة.
لكن الشجرة الحالية لا تعطينا ذلك.
فالمسار الذي يُربط بمشروع قريش يسير على النحو الآتي:
FGC1723 → FGC8712 → L859
أما المسار الذي يصل إلى التحور الذي يحمل مشروع كنانة اسمه فيسير في اتجاه آخر:
FGC1723 → FGC1695 → … → FGC4316 → FGC4302
وهذا يعني أن L859 وFGC4302 ليس أحدهما متفرعًا من الآخر، وإنما يلتقي مساراهما في جد أعلى هو FGC1723 ثم يفترقان إلى خطين مستقلين.
وهنا تكمن الإشكالية العلمية.
فإذا قيل:
FGC4302 = كنانة
وفي الوقت نفسه:
L859 = قريش
فإن البناء الجيني المفترض لا يعكس البناء النسبي المعروف:
كنانة → قريش
بل تصبح «قريش الجينية» و«كنانة الجينية» على فرعين متوازيين.
ولا يعني هذا أن الجينات أثبتت أن قريش ليست من كنانة؛ فهذا استنتاج غير صحيح. وإنما يعني أن نسبة FGC4302 إلى كنانة الجامعة ونسبة L859 إلى قريش الجامعة لا يمكن التسليم بهما معًا على صورتهما الحالية.
الالتقاء موجود… لكنه أقدم من أن يثبت كنانة وقريش
يلتقي المساران عند FGC1723، وهو تحور قديم يعود إلى زمن بعيد يسبق بكثير التحديد التاريخي المعتاد للقبائل المعنية.
وهذا الالتقاء يثبت وجود جد أبوي قديم مشترك، لكنه لا يثبت أن ذلك الجد هو كنانة، ولا أن الفرعين الناتجين عنه يمثلان قريشًا وكنانة بالمعنى التاريخي.
فالتحور القديم كلما ارتفع في الشجرة اتسعت الجماعات التي يمكن أن تقع تحته، وفقد قدرته على إثبات هوية قبلية محددة.
كثرة العينات لا تكفي
وجود عدد كبير من المنتسبين إلى كنانة تحت FGC4302 يمكن أن يثبت وجود تكتل أبوي مهم داخل كنانة المعاصرة، لكنه لا يثبت وحده أن صاحب FGC4302 هو كنانة بن خزيمة.
وكذلك وجود مجموعة من المنتسبين إلى قريش أو بني هاشم تحت L859 يثبت قرابة أبوية بينهم، لكنه لا يجعل L859 تلقائيًا تحور قريش الجامعة.
فقد يمثل التحور بطنًا من القبيلة، أو مجموعة بطون، أو جدًّا أقدم أو أحدث من الجد الذي تحمل القبيلة اسمه.
ولهذا يجب التفريق بين عبارتين:
«توجد عينات كنانية تحت FGC4302»
و
«FGC4302 هو كنانة بن خزيمة».
الأولى نتيجة قابلة للمشاهدة، أما الثانية فتحتاج إلى برهان تاريخي وجيني مستقل.
والأمر نفسه ينطبق على L859 وقريش.
الاختبار العلمي البسيط
إذا كانت القبيلة ب فرعًا أبويًا من القبيلة أ، وزعمنا أن:
X = القبيلة أ
و
Y = القبيلة ب
فلا بد أن يكون:
X → Y
على شجرة الأب.
أما إذا كان:
جد أقدم → X
وفي فرع آخر:
جد أقدم → Y
فلا يستطيع X وY تمثيل علاقة الأصل والفرع معًا.
وبتطبيق ذلك على موضوعنا:
النسب التاريخي:
كنانة
↓
قريش
أما التسميتان الجينيتان المقترحتان فتعطيان:
FGC1723
↙︎ ↘︎
FGC8712 FGC1695
↓ ↓
L859 … → FGC4302
ومن ثم لا يظهر L859 فرعًا من FGC4302.
أين يقع الخطأ المحتمل؟
لدينا عدة احتمالات علمية:
قد يكون FGC4302 تكتلًا صحيحًا لبعض بطون كنانة، لكنه ليس كنانة الجامعة.
وقد يكون L859 تكتلًا صحيحًا لمجموعة من المنتسبين إلى قريش، لكنه ليس قريش الجامعة.
وقد يكون كلا التكتلين صحيحًا بالنسبة لأصحابه، بينما الخطأ وقع في إطلاق اسم القبيلة التاريخية الجامعة على التحور.
وهذا الاحتمال الأخير جدير بالاعتبار؛ لأن صحة الفحص الجيني لا تعني بالضرورة صحة التفسير النسبي الذي أُعطي له.
الجينات لا تسمّي الجد
التحور يخبرنا بأن رجلًا عاش في زمن تقريبي وورث ذريته طفرة معينة، لكنه لا يقول إن هذا الرجل هو:
كنانة بن خزيمة، أو النضر بن كنانة، أو هاشم بن عبد مناف، أو غيرهم من الأجداد المسمّين.
وتعيين صاحب التحور بشخصية تاريخية يحتاج إلى اجتماع عدة قرائن: عينات من بطون مستقلة، أنساب موثقة سابقة للنتيجة، توافق زمني، توزيع جغرافي مناسب، ومقارنة بالفروع القريبة والمخالفة.
ثورة مكة سنة 1271هـ ضد منع تجارة الرقيق
وثيقة فرنسية من قلب أحداث 1855م تكشف مطالب الثوار ودور الشريف عبدالمطلب بن غالب
المصادر الحجازية تؤكد أصل الواقعة.. والوثيقة الفرنسية تنفرد بتفاصيل عن الشريف منصور والشريف عبدالله من ينبع ومحاولات تهدئة الثوار
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
في الثالث والعشرين من أغسطس من كل عام يحيي العالم «اليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وإلغائها»، استحضارًا لواحدة من أشد صفحات التاريخ الإنساني إيلامًا، حين تعرض ملايين البشر للاسترقاق والاقتلاع والاتجار بهم وسلب حرياتهم وكرامتهم. وبينما تعيد الإنسانية الحديثة اليوم قراءة ذلك التاريخ ونقده، فإن دراسة الرق وتجارته في المجتمعات الإسلامية خلال القرون الماضية تقتضي قراءة تاريخية متأنية تفرق بين أحكام عصر مضى ومفاهيم عصرنا الحاضر، وتقرأ الأحداث في سياقاتها الدينية والسياسية والاجتماعية.
فالإسلام لم ينشئ الرق ابتداءً، وإنما جاء إلى عالم كان الاسترقاق فيه نظامًا راسخًا بين الأمم والحضارات، ففتح أبوابًا واسعة للعتق، وجعل تحرير الرقاب قربة وكفارة في جملة من الأحكام، وأرسى مبدأ الكرامة الإنسانية، وربط التفاضل بين البشر بالتقوى لا باللون أو العرق. ومن هنا ينبغي أن تقرأ أحداث مكة سنة 1271هـ/1855م في سياقها التاريخي والفقهي والسياسي، لا باعتبارها دفاعًا معاصرًا عن استعباد الإنسان، وإنما لفهم كيف تلقى مجتمع القرن التاسع عشر قرارًا عثمانيًا جاء في سياق ضغوط واتفاقات أوروبية لمنع تجارة الرقيق.
وقد أطلق المؤرخ المكي أحمد السباعي على هذه الواقعة عنوان «منع بيع الرقيق وثورة الأهالي»، وهي من الأحداث المهمة في تاريخ مكة في القرن الثالث عشر الهجري. وتذكر المصادر الحجازية أن الدولة العثمانية، إثر التزامات وضغوط أوروبية تتصل بمكافحة تجارة الرقيق، أرسلت إلى كامل باشا والي جدة أمرًا بمنع بيع الرقيق، فامتثل للأمر وجمع تجار الرقيق وأبلغهم بضرورة وقف هذه التجارة.
ولم يكن تطبيق القرار أمرًا يسيرًا في البيئة الحجازية آنذاك؛ فقد نظر المعترضون إليه من خلال المنظومة الفقهية والاجتماعية السائدة في عصرهم، ورأوا أنه يتدخل في أمر نظمه الفقه، كما أدركوا أن القرار جاء نتيجة ضغوط أوروبية على الدولة العثمانية. وكان الرق في ذلك الزمن جزءًا من بنية اجتماعية واقتصادية استمرت قرونًا، ولذلك أحدث الانتقال المفاجئ إلى سياسة المنع رد فعل واسعًا.
وتذكر المصادر الحجازية أن الاعتراض بدأ في الأوساط العلمية والاجتماعية بمكة، وأن طلبة العلم اجتمعوا وعقدوا العزم على الذهاب إلى رئيس العلماء الشيخ جمال شيح للنظر في الأمر، ثم ظهرت دعوات إلى تحرير حجة شرعية تعترض على القرار من المنظور الفقهي السائد آنذاك.
لكن الاعتراض لم يبق في دائرة النقاش العلمي؛ فقد انضم عدد من الأهالي إلى المحتجين، وتصاعدت الأحداث حتى وقع الصدام بينهم وبين القوات العثمانية، واتسعت المواجهات حتى وصلت إلى محيط المسجد الحرام وسقط قتلى.
وكان الشريف عبدالمطلب بن غالب، شريف مكة والمشار إليه في الوثيقة الفرنسية بعبارة «الشريف الأكبر»، موجودًا في الطائف عندما بلغته أخبار الأحداث. وتروي المصادر الحجازية أنه جمع القبائل، وينقل صاحب «إفادة الأنام» قوله: «فلما جاء خبر ذلك إلى الطائف للشريف عبدالمطلب جمع القبائل وقال: إني أريد حماية مكة؛ لئلا يصيبهم ضرر من كامل باشا بسبب ما صار منهم».
وهنا اتسعت الأزمة، وانتقلت من احتجاج داخل مكة إلى مواجهة سياسية وعسكرية شاركت فيها قوى قبلية، ودخل الشريف عبدالمطلب في قلب الأحداث.
وتأتي هنا أهمية الوثيقة الفرنسية المعاصرة للواقعة التي بين أيدينا؛ فهي لا تنقل رواية مؤرخ كتب بعد سنوات طويلة، وإنما تقدم شهادة كتبت في زمن الأزمة نفسها، وتؤكد في خطوطها العامة ما حفظته المصادر الحجازية، لكنها تضيف إليها تفاصيل مهمة لم تظهر في الرواية المحلية بالصورة نفسها.
فالوثيقة تصف مواجهة القوات العثمانية عددًا كبيرًا من العرب الثائرين، وتذكر انضمام أهل مكة إليهم، وأن الجيش العثماني اضطر إلى الاحتماء داخل القلعة، بينما تمكن الثوار من السيطرة على مكة والطائف.
لكن أهم ما تكشفه الرسالة أنها تنقل مطالب الثوار أنفسهم.
فقد تلقى الباشا، وفق النص الفرنسي، رسالة من الثوار عرضوا عليه فيها عدة شروط، وكان في مقدمتها بصورة صريحة:
«استمرار تجارة الرقيق».
كما طالبوا بـ:
«عدم إبقاء قوات عثمانية في مكة».
وهذه من أهم العبارات في الوثيقة كلها؛ لأنها تثبت أن استمرار تجارة الرقيق كان مطلبًا معلنًا من مطالب الحركة، وليس تفسيرًا أضافه مؤرخ لاحق. كما يكشف المطلب المتعلق بالقوات العثمانية أن الأزمة تجاوزت الاعتراض على قرار اقتصادي أو اجتماعي، ووصلت إلى قضية الوجود العسكري العثماني في مكة.