أنا أشتغل أوبر في الرياض، وغالبًا شغلي ليلي.
مرة ركّب معي رجل كبير بالسن الساعة ١١ بالليل.
قال: «أبيك تودّيني خمس أماكن الليلة. أعطيك ٢٠٠٠ ريال كاش… بس لا تسأل ليش إلا بعد ما نخلص.»
وافقت.
المحطة الأولى:
بيت قديم في حي شعبي.
جلس يطالع البيت عشر دقايق ودمعته تنزل.
قال: «يلا… اللي بعده.»
الثانية:
مدرسة حكومية.
نزل، مشى لساحة الطابور، جلس على الدرج.
قال: «درّست هنا ٣٨ سنة… أجمل أيام عمري.»
الثالثة:
مطعم قديم بوسط البلد.
طلب شاي وما شربه.
قال: «هنا أول مرة شفت أم عيالي… سنة ١٩٧٢.»
الرابعة:
مقبرة.
وقف عند قبر طويل، يتكلم نص ساعة بصوت واطي.
رجع وعيونه حمرا: «زوجتي… اليوم لها أربع سنين.»
الخامسة:
مستشفى.
التفت علي وقال:
«الحين أقول لك السبب. عندي سرطان مرحلة متقدمة. باقي لي أسابيع… يمكن أقل. الليلة حبيت أمر على حياتي كلها مرة أخيرة.»
قال:
«البيت… هناك كبّرت عيالي.
المدرسة… هناك لقيت رسالتي.
المطعم… هناك بدأت قصتي.
المقبرة… هناك ودّعت نصّي الثاني.
وهنا… بدخل تنويم. ما راح أرجع البيت.»
عطاني الفلوس.
رفضت.
أصر وقال: «خذها… ما عندي أحد أتركها له. أعطيتني ثلاث ساعات لطف… وهذا أغلى من المبلغ.»
نزل ماسك شنطة صغيرة.
قال: «وش اسمك؟»
قلت: «خالد.»
قال: «شكرًا يا خالد… كنت آخر شيء طيب بحياتي.»
رجعت له اليوم الثاني.
سألت عنه… غرفة ٣١٢.
جبت له تمر وقهوة.
ابتسم وقال: «رجعت.»
صرت أزوره يوميًا أسبوعين.
نسولف عن طلابه، عن زوجته، عن عياله اللي انشغلوا عنه.
قال لي يوم:
«كنت أحسب بأموت لوحدي… بس الله أرسلك لي.»
قلت له: «ما راح تموت لوحدك.»
توفى فجر يوم جمعة.
كنت ماسك يده.
آخر كلامه:
«قل للناس ينتبهون لبعض… الدنيا قصيرة… والطيب ما يضيع.»
جنازته حضرها سبعة أشخاص فقط.
أنا، ممرضين، إمام المسجد، وطالب قديم له.
رجل خدم التعليم أربعين سنة.
أحب زوجته خمسين سنة.
عاش أكثر من ثمانين سنة.
وسبعة أشخاص فقط.
الـ ٢٠٠٠ ريال للحين في درج سيارتي.
ما صرفتها.
تذكير دائم…
إن اللطف مع الغريب مو زيادة.
هو الأساس.
<منقول>
صحفي أمريكي جاء إلى فلسطين ليُعدّ تقريرًا عن الواقع تحت الاحتلال، يرافقه جيشٌ مدجّج بالسلاح يدّعي حمايته، فإذا بهم ينصبون له كمينًا مع المستوطنين، حيث اعتدى أحدهم على امرأة فلسطينية مسنّة كانت تقطف الزيتون بيدين أنهكهما العمر، وحين تدخّل الصحفي لمنعهم حاولوا الاعتداء عليه أيضًا. لكن كاميرته كانت أسرع من بنادقهم، فوثّقت المشهد الفاضح وانتشر المقطع كالنار في الهشيم، ليكشف للعالم الوجه الحقيقي للاحتلال ومن يتواطأ معه.
على مدى عامين من العربدة الإسرائيلية والحوادث تؤكد لنا خلاصة واحدة هي: أن أعرف الناس بإسرائيل، وأكثرهم تبصرًا في حقيقتها، وأعلمهم بطريق الخلاص منها لتأمين هذا الوطن العربي السليب، هم أصحاب الطوفان، هذه حقيقة ناجزة، كل وعي دون وعيهم في تقدير خطر الكيان وقدرته أثبتَ قصوره وبلاهته. وكل المقاربات التي قاربها غيرهم تبيّن لنا في أقل من عامين فسادها وطفوليتها. ما أضر بالطوفان ليس سوء تقدير العدوّ، بل التعويل على وعي الصديق، والتفاوت الرهيب بين إرادات المجاهدين والقاعدين.