لقد وصلت إلى مرحلة (قاضي العارفة) كما تسميه بادية الأردن…
حيث صقلتنا التجارب، ولم تعد تنطلي علينا حيل الكلام، والوعود الكاذبة، فـ صرنا نلتقط الإشارات، ونميز بين الصادق والكاذب من أول وهلة، ولم نعد نخدع بكلمات معسولة…
كبرنا واصبحنا نقرأ النوايا الخفية في العيون قبل أن تنطقها الألسن، ونشم رائحة النفاق من بعيد، ولم نعد نخجل من قول كلمة (لا) عندما نحتاجها.
كبرنا ولم يعد لدينا صبر على المجاملات أو التملق.
كبرنا وأدركنا قيمة العمر الذي راح، وأصبحنا نبحث عن الراحة والأمان، مع الأشخاص الواضحين، الذين يتعاملون بصدق وصراحة…
فـ صرنا نفضل الناس التي لا تتغير مهما تغيرت الظروف.
كبرنا ولم يعد لدينا وقت وصبر على تحمل أمور كنا نرتكي لها كما ترتكي الجمال للحمول الثقال…
كبرنا وتعلمنا، وما زلنا نتعلم من الحياة الدروس القاسية…
(اعط الانسان منصبا يوم السبت، يسقط قناعه يوم الأحد)..!!
قرأت هذه العبارة وعادت بي الذكرى للعديد من الاشخاص اللذين كنا نتقاسم معهم علبة البيبسي، و نناصفهم قطعة الخبزة، وكانوا يمضون يومهم في تقليب همومهم الصغيرة امامنا، ويحكون تفاصيل ايامهم التافهة والمملة علينا…
وبعد أن تولوا مناصب نحن نعرف كيف وصلوا لها..!!!
استقامت ظهورهم، وتغيرت نبرة صوتهم، صار كلامهم أقل، وردوده أبطأ، ونظرتهم أكثر اتساعا من أن تراك، بل تنظر لمن هم أعلى منك، وكأنه فجأة لم يعد يقبل أن يجلس في المكان الذي يجلس فيه العاديون...
فـ انسلخ عن صورته القديمة، ونزعها كما ينزع الجلد اليابس عن الجرح…
فـ عاشوا في برجهم العاجي سنوات قليلة حتى تقاعدوا…
وعندما تقاعدوا: عادوا إلينا ولكنهم للأسف لم يجدونا…