عِشقي لِمَن فوقَ هذي الأرضِ علَّمَني
بأن أرشّ الدُّجى، فيضاً منَ النُّورِ
وأنْ أرقَّ إذا لاقيتُ سوسنةً
تخافُ في الليلِ من زحفِ الأعاصيرِ
أحنو على نبتةٍ تلهو الرّياحُ بها
حتى يُظلِّلها غيمُ التباشيرِ
وإنْ أنا لم أجدْ في الحقلِ سنبلةً
بذرتُ قلبي لأسرابِ العصافيرِ
أُهدي المحبّةَ لا أرجو مكافأةً
يزينُ في الحبِّ: إسرافي وتبذيري
وليسَ أوجعَ نارًا في مخيّلتي
من خاطرٍ فوقَ هذي الأرضِ مكسورِ
أودُّ لو أنّني شمسٌ وتخطفُني
كفُّ الحياةِ إلى قلبِ الدياجيرِ
وأنْ أُصاغَ بثغرِ الحزنِ أغنيةً
للبائسينَ بلا همٍّ وتكديرِ
رحماكَ يا ربُّ ما غلَّظتُ أمنيةً
وأنتَ تملكُ تصريفَ المقاديرِ
شاعر من الذكاء الإبداعي
#مقالي:
في سنة كورونا، كانت لي محادثة عبر (الواتس) مع الشاعر الرائع محمد السعيد، قبل أن نعرف الذكاء الاصطناعي؛ تحدثنا عن الأغاني الشعبية والسامرية، والعزف الطربي، والإيقاع الشعري،. وبعد المحادثة أرسلت له ثلاث أغان للفنان حسين العلي كنت أسمعها في بادية الشلالحة أيام الطفولة: (أصيح وحدي محدٍ يسمع الصوت)، و(أهلا هلا باللي له القلب يرتاح)، و(يا غربتي يا لوعتي..). فقال لي بعد أن استمع إليها -بهذا المعنى-:
"تدري إيش مشكلتها؟!.. المشكلة ما فيها ولا غلطة!! أغاني متقنة، متقنة، متقنة، وأنا أحب الغلطة والعفوية في الأغنية؛ لهذا أحب حفلات عيسى الأحسائي وجلساته الشعبية، وأغانيه التي يغنيها في الهواء الطلق بين جمهوره بكامل حريته".
تعجبت وقتها من هذا الرأي، وأعجبني، وعرفت أنه نابع من حس فني وشاعري، خاصةً بعد أن عرفت منتجات الذكاء الاصطناعي التي تبلغ الكمال بنقص!
قبل أيام، اطلعت على ملف (وورد) يضم مجموعة من قصائده، وأنا الذي كنت أتابع حسابه الشعري في منصة (إكس) بكل إعجاب، فوجدتها في غاية الإتقان.. كل عطر في زجاجته، وكل وردة في غصنها، وكل حرف أخضر في ورقته البيضاء. بحثت عن غلطة شعرية كغلطة عيسى الفنية، ولم أجد!
أشعرني هذا الشاعر وأنا أتأمل قصائده أن مهمته الأولى هي رفع الإيقاع الموسيقي للقافية، ولا أعرف أحداً يلتزم بما لا يلزم مثله؛ فحتى القافية المستهلكة، والتي يكفيها في عرف شعرنا الشعبي (حرفان)، يزيد محمد السعيد عليها حرفاً ثالثاً ليطرب نفسه، وليمنح قصيدته ميزة إضافية، كما في قافية إحدى قصائده: (برديه، يديه، نديه، السرمديه، الأبجديه، هديه، جرهديه، رديه، لديه).
أرى أن اللزوم بما لا يلزم مهارة من حق الشاعر المتفرد أن يحافظ عليها، وهي ميزة لا يقتصر التلذذ بموسيقاها على الشعر الشعبي؛ فكما ترى الشاعرة القديرة د. فاطمة القرني أن هذا الالتزام حتى في الشعر الفصيح: "أجمل وأغنى تأثيرًا في موسيقى النص".
وكما هو معروف في الشعر الفصيح، فإن وحدة الرويّ مع تناوب الردف بين الياء والواو أمرٌ شائع في الشعر العمودي، ولم يكن مما يُستنكر في القصيدة. ومع هذا تقول د. فاطمة القرني: "بتُّ ميّالة إلى عدم الأخذ به؛ إن كان واوًا فليكن إلى آخر القصيدة، وإن كان ياءً فليكن أيضًا إلى آخر القصيدة مهما طالت؛ فلغتنا ثرية غنية باشتقاقاتها ومرادفاتها".
ومما يلحظ أن تبديل حرف الردف من الياء إلى الواو، مثلاً: (طريقي، عروقي) في الفصيح سائغ ومشهور، أما في الشعر الشعبي فلا يُقبل، ويُعد ذلك عيباً واختلالاً.
في شعرنا الشعبي منذ القدم، يلتزم الشاعر بما لا يلزم، وكم كانت تطرب (مجالس شيّابنا) قصيدة الشاعر عسير المزحمي العتيبي التي يقول في مطلعها:
"ياراكب حرٍ كثير الزمر به"
وردّ الشاعر هذال بن نفيع المطيري الذي يقول في مطلعه:
"ياراكب اللي كن أذانيه حربه"
فكان لالتزام الشاعرين بالحروف الثلاثة (ر ب الهاء) إيقاع وإبداع..
وكم تمنيت أن مساعد الرشيدي اكتفى بهذين البيتين الشهيرين من قصيدته الجميلة:
"ولا تسمّع باهتين الذوق شعرك
وانت شعرك من عروق البرق راضع!
ولا تواضع للوضيع يضيع قدرك
منت مجبورٍ على بعض التواضع!"
أو لو أنه التزم بما لا يلزم في بقية القصيدة بدلًا من (واسع، مانع،جامع)، مع إدراكي لصعوبة الالتزام بقافية (اضع)..
الذي أردت قوله إن ميزة (الالتزام بما لا يلزم) التي يميل إليها قلة من الشعراء هي من أوضح مزايا قصائد محمد السعيد، ومن المزايا اللافتة أيضاً مهارته في اللعب بالكلمات بذكاء شعري، كما في قصيدته التي حفظت مطلعها وقفلتها:
المطلع:
"مرت وهي متواضعة حد الغرور
وما "شالها" من عيني إلا "شالها"
القفلة:
لو خالها ما له بهذا الحسن دور:
ملزوم أحبّه لأجل حبّة خالها!
أخيرًا:
إن صدق ما قاله أحد الشعراء بأن: (الشاعر؛ شاعر حتى في تقليم أظافره!)، فإن محمد السعيد شاعر حتى في تفاعله مع النصوص؛ فأحياناً حين تطربني قصيدة أو أكتبها، أرسلها إلى عدد من أصدقائي من أصحاب الذائقة العالية، وأحدهم محمد السعيد.. وما يميز محمد السعيد عنهم أنه يتفاعل بتعليق صوتي حماسي وكأنه المعلق فارس عوض يعلق على مباراة عالمية:
"يا رباه! يا رباه! شوف يا أخي البيت العجيب الغريب.. والله والله – بكسر الهاء – هذا البيت لا يكتبه إلا شاعر ابن شاعر!.. بس لحظة، لحظة، في رأيي المتواضع لو قال في البيت الرابع بدل مفردة (كذا) لكانت أنسب.. عفوًا، عفوًا، أتراجع.. الشاعر خطير، خطير!..اسمح لي يا عبدالعزيز، المقطع زاد عن دقيقتين، لكن هذه القصيدة لو زاد تعليقي عنها ساعة لما شعرت أنني أنصفتها"
بمثل هذا التفاعل الحي، يتبين لي في كل مرة أنه شاعر وناقد يعيش الشعر في كل لحظة، حتى وهو يشاهد مباراة! وهو شاعر بقلب يتسع للجميع، يريد الناس كلهم شعراء، وفي هذه الخصلة الكريمة لا يشابهه إلا جاسم الصحيح وجاسم عساكر..
وسلامتكم
تزورني أوجهُ الموتى وتسكنني
حتى أصيرَ بها روحًا بلا بَدَنِ
تسيلُ من مقلتي دمعًا فتمسحُها
أناملي، فإذا بالدمعِ يَنْشُدُني:
لا تنسنا! نحنُ أحياءٌ وإن طُمِستْ
شخوصُنا بين ضيقِ اللحدِ والكفنِ
لا تنسنا! آفةُ النسيانِ تنخرُنا
كالجذعِ أضحى بلا غُصنٍ ولا فَننِ
ما غابَ منا سوى الأجسادِ عُدنَ إلى
الترابِ عودةَ منفيٍّ إلى وطنِ
وإنْ رجعنا ترابًا للترابِ فما
زلنا نعيشُ ولكن خارجَ الزمنِ
يا من عكفتَ على النسيانِ تعبدُهُ
كجاهليٍّ ولكن دونما وثنِ
غدًا ستسقطُ عن غصنِ الحياةِ ولنْ
تعودَ بعد انقضاءِ الأمرِ للغُصُنِ
غدًا ستصبحُ وجهًا مثلنا فكأنْ
ما عشتَ في هذه الدنيا ولم تَكُنِ
فلا تكِلنا إلى النسيانِ يُشبِعُنا
محوًا فكم كان في النسيانِ من مِحَنِ
وقِفْ علينا إذا ما اسْطعتَ مُدّكرًا
وجوهنا! لا تقُلْ للدمعةِ: انسجني/
في الجفنِ فالدمعُ جسرٌ للقلوبِ وما
يمورُ فيهنَّ من همٍّ ومن حَزَنِ
فإن أتيناك في جُنحِ الظلامِ فكن
بنا الحفيَّ وكن روحًا بلا بدنِ
،،،
إني بناصية الأحزان واقفة
أستقبلُ الحقدَ والأعصابُ تشتعلُ
ما زلتَ يا قاتلي أسطورة .. وأنا
قلبي بمنتجع الأوهام ينتقلُ
قد ذقتُ في شفتيك الشهد راشفة
فأصبحت شفتي بالعطر تغتسلُ
رأيتُ في ناظريك الحب مرتسما
لكل زاوية أبعاده تصلُ
تعيش بي كالأماني في معالمها
وكالهوى بين أعماقي له وجلُ
لولاكَ ما نُقشتْ عيني على شفتي
فالعينُ أيضا لها عند الهوى قُبلُ
لولاك ما أصبحت روحي مغردة
بالحب والوصل والأشواق تنفعلُ
فامسح جراحي ببيت أو بقافية
إن القوافي من الأقدار تنتهلُ
قد بت أسألُ نفسي هل على قمري
ألا يضيءُ إذا أضناني الخجلُ؟
إني حقدتُ وهل في الحقد من عجبٍ؟
لا ينقص الحقدُ نفسا للهوى تجلُ
فكلما خمدت نيران عاطفتي
يسّاقطُ الوهم من عينيّ يا رجلُ
وأدرك اليوم أن الحب شعوذة
وأن ما خلته في صبوتي دجلُ
..
( عبدالله السمطي - الصف الثالث الثانوي، مدرسة ابن خلدون الثانوية العسكرية، شارع سليم الأول، حلمية الزيتون، القاهرة)
يقولون إني شاعرٌ قلتُ ربما
تخيّرني غيبٌ لمكنونه فما
فصرتُ أصوغُ المفرداتِ قلائدًا
وأرشقُ منها في السماواتِ أنجما
وأنفخُ فيها الروحَ حتى تكلمتْ
وحتى كسا لحمُ المجازاتِ أعظما
أنا جسرَها أصبحتُ في الأرضِ وهي من
صعدتُ بها حتى أرى الله سلمّا
فيا شعرُ حلّقْ بي لأبعدِ ذروةٍ
ولا تُحجِمنْ فالشعرُ ما كان مُحجِما
ويا شعرُ بلّغْ ما أُمرتَ مجاهرًا
وأفصحْ فإني ما عهدتك مُعجِما
ولا تسقني إلا الزلالَ فطالما
شكوتُ وقد غُيّبتَ من سَوْرةِ الظما
ويا شعرُ قوّلني الذي شئتَ إنني
قرينك والسِفرُ الذي عنك رُجّما
فسل في شراييني كما شئتَ وانكتبْ
بجدرانها فالشعرُ ما سالَ في الدما
وخضْ بي كما شئتَ المجاهيلَ عُمّيتْ
فيا طالما أزرى بمن أبصرَ العمى
ولا تبتعدْ عني ولو قيدَ لحظةٍ
مخافةَ أن أهوي وأن أتهدما
وإني وأنتَ الآن أرضٌ تلحّفتْ
سماءً فهل أبصرتَ أرضًا بلا سما!
وإني وأنتَ الآن صنوانِ قالتِ السماءُ
لنا كونا على الأرضِ توأما
فكنا كما شاءتْ فما زلتُ قائمًا
بمحرابها أدعو وما زلتُ محرما
يقولون إني شاعرٌ..ربما.. أجلْ
أنا شاعرٌ للغيبِ ما زلتُ،إنما..
تُحمِلُكَ الأيّام مَا لَا تُطِيقُهُ
فتَأْبَى ومِن بعد الإِباء تُطيقُ
وتُصفَعُ حتى لستَ تهتمّ بَعدها
أيَخذِلُ خلٌّ أو يخونُ صديقُ
وليس خليقاً بالندى غير صاحبٍ
يشاركك الأنفاس وهو غريقُ
داري يـ جِـعْـل آخر شـهـيـقٍ لي بـ شَمّ تْرابها
و يْـجِـفّ معلوق الكلام اليا انتهى فيها الكلام
حدودي ان صلّيت فرض العشق في محرابها :
مـن بسملة خوفـي عليها لين اثـنّـي بالسلام !
نظرياتهم بعيدة عن سقف شعرنا !
الشعر سقفٌ فني للغة التي كتب بها.
وكل لغة لها سقفها في البيان،
ولها أدواتها الداخلية في التعبير عن المعنى والعاطفة والإيقاع والصورة.
ولا يمكن أن تتساوى لغتان في مستوى البيان أبدًا،
لأن كل واحدة منهما تحمل في بنيتها ما لا تحمله الأخرى: فاللغة العربية مثلاً تملك الاشتقاق، والتوليد، والإعراب، والتعريف والتنكير وغيرها من السمات اللغوية
وقد تشترك مع غيرها من اللغات وقد تختلف !
ولكن اللغات المشهورة في العالم لا تتساوى مع العربية في هذه المزايا ولا تقترب منها !
من هنا تنشأ المشكلة الأساسية في النقد الأدبي المقارن: أدوات النقد الغربي الحديث – من الأرسطية إلى البنيوية فالتفكيكية – وُلدت أصلاً لتفسير نصوص كتبت بلغات أوروبية، واستُمدت مفاهيمها (مثل "التراجيديا"، أو "الكاثارسيس"، أو "الاغتراب"، أو "السردية الكبرى") من خصائص تلك اللغات ومن ثقافتها الفلسفية والجمالية. هذه الأدوات ليست محايدة، بل هي أدوات "مُكيَّفة لغويًا"، وبالتالي فهي تُحسن قياس الشعر الإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني، لكنها تعجز – أو تُعجز – عندما تُوظَّف لقياس الشعر العربي.
عندما يأتي الناقد العربي المعاصر فيستعير هذه الأدوات الغربية ليحلل بها قصيدة امرئ القيس أو المتنبي، أو أي قصيدة كتبت على النمط العربي !
فإن أدواته النقدية تقصر عن قياس مافي القصيدة العربية،
فيضطر إلى قياس ( أشياء وعناصر من عناصر القصيدة ولكنه لا يحلل القصيدة بصفتها شعراً )
فتجد الناقد الرومنسي يبحث عن الذاتية ووحدة الموضوع واللغة المبسطة !
والبنيوي :يبحث عن التركيب والتناص بمثلثاته ومعادلاته العلمية !
أما الناقد الثقافي: فهو يترك الشعر جانباً ويبحث لإثبات نسق ثقافي مضمر تأبطه قبل قراءة القصيدة !
وكأن القصيدة العربية بحر وهم على ساحله يغرفون بدلائهم ويظن كل منهم أنه احتواه !
وتجد الناقد الحديث، يتحدث في أشياء كثيرة في النص، ليس من بينها الشعر !
لأنه يضع القصيدة في قالب لم يُصنع لها
وهن بطبيعة الحال أضيق منها لأنه صُمم لقصيدة، أقل مساحة بكثير من القصيدة العربية!
يصبح الأمر كمن يحاول قياس طول الطريق بمسطرة،
والأسوأ أن يُقنع الناقد نفسه – ويقنع القارئ – بأن القصيدة العربية "ناقصة" لأنها لا تتماهى مع مفهوم "الوحدة العضوية" عند كولريدج، أو لأنها لا تُحقق "الغرابة" الشكلانية الروسية، أو لأنها لا تُظهر "القلق الوجودي" بصيغته السارترية.
والعكس صحيح أيضًا: فلو طبقنا نظرية عمود الشعر العربية على شِعرٍ غربي لظهر كلاماً معدوم الفن، ساقط البيان !
إن محاولة الحكم على الشعر العربي بمعايير ولدت في لغة أخرى هي عملية تزييف غير مقصود في أحسن الأحوال، واستعمار جمالي في أسوأها..
إنها تجعلنا نرى عيوبًا في المتنبي لأنه لم يكن "حداثويًا" بما يكفي، أو نرى نقصًا في الجواهري لأنه لم يتمرد على البحر كما فعل رامبو أو إليوت.
الشعر العربي يحتاج أولاً إلى أن يُقرأ بأدواته هو، بما ورثه من بلاغة الجاهليين والعباسيين، وبما أنتجه من نظريات في الإيقاع والتصوير والعاطفة عبر عبد القاهر الجرجاني والجاحظ وابن رشيق. هذه الأدوات ليست أقل دقة ولا أقل علمية من البنيوية أو التفكيك، بل هي أكثر ملاءمة للغة التي نطق بها الشعر أصلاً..
بل أني لا أبالغ إن قلت أن نظرية النظم هي أشمل نظرية لغوية يقاس بها الفن اللغوي عالمياً ! وقد تكون صالحة لكل الفنون اللغوية العالمية !
طبعاً أدت هذه الأفكار النقدية التي تبناها بعض أكاديميو العرب، إلى نشوء شِعرٍ عربي يتوافق مع هذه الأدوات، فطهر الشعر الرومنسي على الطريقة الإنغليزية والشعر الرمزي على الطريقة الفرنسية، والوجودي المناسب للسارترية !
وظن هذا الجيل من الشعراء أنهم بذلك طوروا الشعر العربي ليتناسب مع روح العصر !
فنشأ شعر أخذ من العربية أدنى مستويات التعبير، وبروح لا تميل إلينا ولا تعبر عنا !
وكان ما فعلوه تجريد للشعر العربي من مزاياه التي يتفوق بها على غيره، كطائر تخلى عن جناحيه لأنه وجد نفسه في مدينة للزواحف !
وكان الأجدر بنا أن نعمل على نظرية النقد العربية ونكمل طريقها إلى التقعيد والمعاصرة، لتكون هوية تعبر عنا كما نحب لا كما يحب غيرنا !
وحين نستعيد ثقتنا بأدواتنا، لن نحتاج بعد ذلك إلى أن "نثبت" للغرب أن شعرنا عظيم؛ سنكون قد أعدنا للشعر كرامته، وأعدنا للغة العربية سيادتها على أبنائها. عندها فقط يمكن أن نتحاور مع الآخر من موقع الند للند، لا من موقع التلميذ الذي ينتظر علامة التقييم من أستاذه.
من الشعر ما أحيا ومنه الذي قتلْ
فكن شاعرًا لا يمزجُ السمَّ بالعسلْ
وكن شاعرًا يستمطرُ الغيثَ شعرُهُ
ويطردُ-من آلائه-اليأسَ بالأملْ
وكن شاعرًا لا يعرفُ الزيفَ قلبُهُ
ولا يحملُ الشحناءَ إن قالَ أو فعلْ
وكن شاعرًا ينسابُ كالنهرِ! لا تكنْ
غلالةَ ألغاز تُحاكُ، ولا طللْ
وكن شاعرًا ينفي عن القلبِ همَّهُ
ويقشعُ عن آفاقهِ غيمةَ المللْ
وكن شاعرًا تسمو به الروحُ كلما
أحاقَ بها غيٌّ لتنجو من الزللْ
وكن شاعرًا للحقِّ يعليه رايةً
مرفرفةً إن ضُللْ الناسُ بالدجلْ
وكن شاعرًا للكادحين ومن بهم
أحاقتْ وجوهٌ ما تندّتْ من الخجلْ
تنزّلْ على الصحراءِ ماءً يعيدها
جنانًا كما كانت وأمطرْ على مَهَلْ
وكن داعيًا للحبِّ كي توقظَ الذي
تخبئه الأفواهُ من شهوةِ القبلْ
وكن مثلما يهوى لك الشعرُ شاعرًا
عميقًا بعيدَ الغَوْرِ في الجدِّ والهَزَلْ
وكن خمرةً لو مسّها ظامئًا فمٌ
لصاح بأعلى الصوتِ: حيَّ على الثَمَلْ!
وكن جمرةً تكوي إذا الضيمُ مسَّها
وكن دمعةً في مقلةٍ دمعها انهملْ
وكن أنت فلاحَ القصيدةِ كفُّهُ
مغمّسةً في طينها البكرِ لم تزلْ
وكن أنت غواصَ المعاني تصوغها
لآلئ تُزري بالحُّليِّ وبالحُللْ
وكن أنت إن شئتَ القصيدةَ جُسّدتْ
على الأرضِ إنسانًا بحرفينِ يُختزلْ
بباءٍ تلي حاءً لصيقينِ مثلما
تمازجَ محبوبانِ في غمرةِ الغزلْ
وإن سألتك الناسُ هل جئتَ شاعرًا
إلى الأرض كي تحيا به الأرضُ؟ قل: أجلْ!