(بصير)
هذه المرة الأولى التي أقرأ أو أسمع فيها هذا الاسم: بصير البرش.
ولوهلة، أخذني الاسم إلى تلك اللحظات الأولى التي يختار فيها الآباء أسماء أبنائهم، يقلبونها في أذهانهم، يبحثون عن وقعها ومعناها، ويتمنون أن يحمل أبناؤهم من أسمائهم نصيباً. اعتدنا أن نقول: "لكل شخص من اسمه نصيب". فتوقفت طويلًا عند اسم الشهيد بصير البرش.
بصير: أي الذي يرى، ويدرك، وينتبه لما قد لا يراه الآخرون.
وتذكرت ما رواه والده الدكتور منير البرش، عن اللحظات التي سبقت خروجهما، حين قال له ابنه الشهيد: "لا تخرج معي، فإن قصفونا سوياً، سيستشهد كلانا".
نعود إلى الأسماء بعد رحيل أصحابها، نبصر ما حدث، ونبصر الإنسان الذي كان هنا، ونبصر كيف يمكن لكلمة صغيرة اختارها أبٌ لابنه قبل سنوات طويلة أن تبدو، بعد استشهاده، وكأنها تحمل سؤالاً أكبر من مجرد اسم.
رحم الله الشهيد بصير البرش، الذي أبصر نهايته قبل حدوثها وكان له قدراً من اسمه.
ثبت الله عائلة الشهيد وطيب ذكرهم وعظم أجورهم وجعل أبنائهم الشهداء (بصير وجنان) شفعاء لهم يوم الدين.
وقف رجل من الدفاع المدني فوق ركام المبنى الذي سقط الليلة على النازحين في مدينة غزة، وطلب من الجميع أن يلتزموا الصمت.
ثم نادى بأقوى صوت ممكن أن تصل إليه حنجرته:
في حد عايش؟ حدا سامعني؟ فيه حدا سامع؟
جاءه صوت طفل من تحت الأنقاض:
"أنا سامعك يا عمو، بس عالق بين السقفين، مش عارف لا أتحرك ولا أحكي، وما في حد شايفني ولا سامع صوتي، أنا بموت يا عمو من الخوف، وشوي بموت فش أكسجين، خلّص."
بعد ثلاث ساعات، انتشل الدفاع المدني جثة هذا الطفل.
الطفل الذي استنجد بهم ليعيش.
لا سامح الله هذا العالم.
ولا عفا عنه.
ولا غفر.
يا قهرنا يا الله.
غزة المبادة| سبتمبر 2026
أحد أيام ما يسمى "وقف إطلاق النار.