لا تستمر العلاقات بالشغف الأعمى، بل بمهارتين:
إحداهما قدرتنا على التحدث مع شريكنا عن المشاعر الصعبة بشجاعة في وقت مبكر وقبل أن يتحول الصمت إلى مرارة وغضب. والأخرى استيعاب النقد دون افتراض سوء النية. فالديمومة ثمرة جهد مشترك ومستمر لإتقان التعبير والإصغاء🌱
https://t.co/aJiAx09j9t
يقول سعيد كمال:
ربما لم يكن أجدادنا أقل حزنًا منا، لكنهم كانوا أقرب إلى الأشياء التي تُهدّئ القلب: طريقٌ طويل، وجبلٌ صامت، وسماءٌ واسعة، وجداول ماء، ومزرعة حنونة، كانوا يعرفون بالفطرة أن بعض الأسئلة لا تحتاج جوابًا، بل تحتاج نُزهة.
ديمتري كارامازوف وألبير كامو .. العالم الذي لا يستجيب
لم يكن ديمتري كارامازوف يبحث عن ثلاثة آلاف روبل فحسب. كان يبحث عن حياة أخرى يستطيع أن يبدأها من جديد. كان يريد أن يعيد المال إلى كاترينا، وأن يتخلص من العار الذي يطارده، وأن يمضي إلى جروشنكا، المرأة التي أحبها حبا يكاد يفوق احتماله. كان يعتقد أن هذا المبلغ وحده قادر على أن يفتح أمامه باب الحياة التي يريدها، وأن يمنحه أخيرا شيئا من الطمأنينة والمعنى.
ولأجل ذلك كان مستعدا لأن يفعل كل شيء تقريبا.
ذهب أولا إلى التاجر سامسونوف، يحمل إليه أمله الأخير، لكن الرجل أرسله إلى الفلاح التاجر لياغافي، الذي كان يدعى أيضا غورستكين. قطع ديمتري الطريق الطويل وهو يتخيل أن نجاته تنتظره هناك. وحين وصل، وجد الرجل غارقا في السكر، نائما لا يكاد يشعر بما حوله. حاول إيقاظه، وهزه، وانتظر طويلا، ثم اضطر إلى قضاء الليل في انتظاره. وحين أصبح الصباح، وجده سكرانا من جديد! وحين حاول أن يحدثه في شأنه، لم يجد منه إلا الإنكار والإهانة.
عاد ديمتري يحمل خيبته، لكنه لم يتخل عن أمله. ذهب إلى السيدة خوخلاكوفا يطلب المبلغ نفسه. وهناك وجد عالما آخر لا يقل غرابة. كانت المرأة تحدثه بحماسة عن مناجم الذهب، وعن الملايين التي يستطيع جمعها، وعن المستقبل العظيم الذي ينتظره، بينما كان هو يترجاها أن تمنحه ثلاثة آلاف روبل فقط. وحين اعتقد أخيرا أن النجاة أصبحت في متناول يده، اكتشف أنها لا تملك المبلغ أصلا!
هنا تحديدا يستحضرني ألبير كامو، حين يتحدث عن العبث الذي يولد من المواجهة بين حاجة الإنسان إلى المعنى والوضوح، وبين عالم لا يقدم له الجواب الذي ينتظره.
كان ديمتري يعتقد أن لحياته غاية واضحة، وأن بلوغها يتطلب شيئا واحدا. لكنه كلما حاول الاقتراب منها وجد نفسه أمام عالم لا يكترث إلى مقدار أهميتها بالنسبة إليه. فالفلاح غارق في سكره، والسيدة خوخلاكوفا غارقة في أحلامها، والحياة من حوله تمضي كما لو أن شيئا لا يحدث.
ولعل الأكثر إثارة أن العالم هنا لم يكن صامتا تماما، بل كان يتحدث ويضحك ويقترح، لكنه لم يقل لديمتري ما كان ينتظر سماعه. لقد كان ممتلئا بمعاني الآخرين، بينما لم يجد ديمتري فيه متسعا للمعنى الذي أراد أن يمنحه لحياته.
وهذا ما يجعل المقارنة مع كامو مثيرة للتأمل. فالعبث عند كامو لا يعني أن العالم يسخر من الإنسان عن قصد، بل أن العالم ليس ملزما أصلا بأن يستجيب لرغبته في المعنى. وقد يبدو عدم اكتراثه أشبه بالسخرية حين يكون الإنسان قد علق مصيره كله على استجابة ينتظرها منه.
ومع ذلك، ثمة فرق مهم. فديمتري لم يكن يبحث عن المعنى النهائي للوجود كما يتساءل عنه كامو، وإنما كان يحاول تحقيق معنى خاص لحياته، معنى يتجسد في الحب والكرامة وإمكانية البدء من جديد. ولو حصل على المال، لما كان ذلك ضمانا لزواجه من جروشنكا أو لسعادته معها، لكنه كان يؤمن أن حياته ستأخذ اتجاها آخر.
وهنا تكمن مأساته. لقد جعل إمكانية واحدة شرطا لمعنى حياته كلها، ثم خرج إلى العالم ينتظر منه أن يساعده على تحقيقها. ولم يكن العالم يعرف شيئا عن هذا الاتفاق الذي عقده ديمتري مع نفسه!
لعل هذا هو الوجه الأكثر إيلاما في رحلته. أن يكون الإنسان ممتلئا بالآمال والرغبات والتصورات عن الحياة التي يريدها، وأن يبلغ من تعلقه بها حدا يشعر معه بأن العالم ينبغي أن يستجيب له، ثم يكتشف أن العالم يستطيع أن يواصل حياته دون أن يتوقف عند آلامه.
لقد عاد ديمتري من رحلته دون المال الذي أراده، ولكنه عاد أيضا مثقلا بشيء أشد قسوة. عاد محطما من اكتشاف أن ما كان يعني له كل شيء، لم يكن يعني للآخرين الشيء نفسه.
وهنا تقترب مأساة ديمتري من تجربة العبث عند كامو. ليس لأن فشله في الحصول على المال يعني أن الوجود عبثي، بل لأن إلحاحه على الحياة لم يجد في العالم إلحاحا مماثلا. لقد كان يتصرف كما لو أن العالم ينبغي أن يدرك خطورة ما يعيشه، وأن يستجيب لما يراه ضرورة لوجوده، بينما كان العالم من حوله منشغلا بأشياء أخرى لا تعنيه.
لم يكن العالم يتآمر على ديمتري، ولم يكن يسخر منه عن قصد. كان الأمر أشد غرابة من ذلك كله. لقد كان ديمتري يعتقد أن مصيره كله يتوقف على استجابة ينتظرها، بينما كان العالم يمضي في طريقه، غير معني بمصير ذلك الانتظار.
هذا نوع من أنواع الغطاء الإجتماعي والتستّر عالجريمة .. المنطق هذا خطير وكأن الجريمة سر عائلي والا عيب إجتماعي لازم مايطلعش للناس بدل ما تكون إعتداء على ضحايا ليهم الحق في العدالة .. كرامة المجتمع وصورته يحميها رفض ومحاسبة القتلة والمجرمين مش إخفاء جرائمهم
«ما تعرفه لا تستطيع أن تفسره، لكنك تشعر به. شعرتَ به طول حياتك: أن هناك خطأً ما في هذا العالم. لا تعرف ما هو، لكنه موجود، كشظيّةٍ في عقلك، تدفعك نحو الجنون»
مورفيوس