هل تعلمين أنني أحب تذكر الأماكن اللتي كنت فيها سعيداً ، وأن أعود فأراها ، إنني أحب أن أعيش ال��اضر من خلال ذكرى الماضي ، وكثيراً ما أهيم على وجهي حزيناً بلا هدف أسعى إليه في شوارع بطرسبرج ودروبها، وما أكثر ما هناك من ذكريات في كل مكان.
- الليالى البيضاء ، دوستويفسكي
العرب أمة أخلاق، لم تصفها الحضارة، ولم يذهب بخشونتها النعيم والترف، بل جرت في مجرى العادات الوراثية عبر العصور. وهذا المجرى لا يكون مطرداً دائماً، بل يستقيم وينحرف، وتلتئم جوانبه وتتمزق وفقاً لسنة التكون الطبيعي ومقتضيات الأقدار.
ولما فرض عليهم نظام الحياة طابع المغالبة، كان التنافس بالأخلاق أغلب فيهم من المنازعة بالأعمال؛ فالعمل مظهر للخلق. وهم لا يُقدمون على عمل إلا بهدف إظهار تلك الأخلاق أو المبالغة فيها، وهذا جليّ في حروبهم ومنافراتهم وعاداتهم.
الأرجح عندي أن العرب لم يقصدوا الجن يلقون عليهم الشعر بل اتخذوهم رمزًا للتعبير عن حالة الإلهام التي تغشاهم حين يَرِدُ الشعر في خواطرهم فهذا الإلهام بسحره يباغتهم كوميض البرق في ليلة ساكنة.
لم يكن الشعر عند فحول العرب مجرد كلام يُقال، بل كان حسبًا ونسبًا وتاريخًا. وكان الشاعر مطالبًا بقوة البيان حتى يُشبه الجني الذي يتأجج فمه نارًا، وإلا عُدّ ساقطًا مغمورًا. ومن هنا جُنحوا إلى اعتقاد أن شعرهم أحرف نارية تلقيها الجن على ألسنتهم من الغيب.
لقد خرجت قليلا عن الموضوع لنستمر اذا ومع تعاقب العصور كان يأتي في كل عصر من تأنف نفسه تقليد من قبله ويتشوق للسبق وإبداع الجديد وهكذا دواليك حتى وصلنا إلى العصر الحديث الذي أنتج بناء على روح عصره شعراً متحرراً من كل القيود ليعود الشعر ��لعربي كما بدأ حراً.
إن الإنسان كائن عبثي يبني القواعد ثم يهدمها في دائرة غير نهائية من البناء والهدم ويحدث هذا مع الفكر والأخلاق وكذلك حدث مع الشعر العربي الذي كان في بداية تشكله حراً بدون قافية ووزن كلام يعبر عما يدور في النفس ثم أخذ الإنسان العربي في بناء القواعد لينتج لنا القصيدة الجاهلية.
بمناسبة الجدل الحاصل حول «شاعريّة» القصيدة النثريّة. أصل الخلاف أن الشعر الموزون المقفى يلتزم بحدود هي ما تعطيه هذه الشعريّة. لكن في المقابل، التجديد الذي حصل في القصيدة العربية أضافت أبعاد لم تُمسّ في الشعر القديم؛ لأن عالمنا اختلف وحياتنا اختلفت وتعبيرنا اختلف.
ويذهب ابن خلدون إلى جانب آخر من الفساد وهو فساد الغاية حيث يذكر في مقدمته أن الشعر في الجاهلية كان شريفاً بـ الذب عن الأحساب والإشادة بذكر البيوتات والشحذ للهمم والكرام لكنه صار أداة للتكسب ومدح السلاطين فتركه أصحاب النفوس الأبية لما آلت إليه صورة الشاعر من ذل.
حكى لي تشيخوف "لقد زرت تولستوي كان طريح الفراش بسبب المرض وتكلم عني وعن أعمالي. ولما أوشكت أن أحييه وأنصرف، أمسك بيدي وقال "بل حيني بقبلة. ولما انحنيت أقبله همس في أذني بصوت هرم وبشيطنة باقية "أنا لا أحب مسرحياتك شكسبير كان كاتبا رديئا، لكنني أرى أن مسرحياتك أنت أردأ من مسرحياته"
يقول الجاحظ عن ترجمة الشعر:
"وفضيلة الشعر مقصورة على العرب، وعلى من تكلم بلسان العرب. والشعر لايستطاع أن يترجم، ولايجوز عليه النقل، ومتى حُوّل تقطع نظمه، وبطل وزنه.