صدرَ أخيرًا بحمد الله تعالى كتابُ "المعلَّقات السبع" عن دار دُرَّة الغوَّاص. وهو (نسخة مختارة من أصحِّ الروايات وأجودها، مع نفي مصنوعها ومنحولها).
وسيتوفَّر في معرض القاهرة الدولي للكتاب بإذن الله.
#صدر_حديثًا
هذه بعض الفوائد من كتاب «المنطق» الذي ترجَمه ابن المقفع أنثرُها هنا:
• سمَّى ابن المقفع (طَرْد) القياس أو الأمر (قِيادًا). وسمَّاه في «رسالة الصحابة» (قِيادًا) و(قَوْدًا) أيضًا. ووجدتُّ عبد القاهر الجرجاني استعملَ (القَوْد) في بعض كلامه.
• سمَّى (العلم الطبيعي) (علمَ الأجساد)، و(العلم الإلهي = ما وراء الطبيعة، الميتافيزيقا) (علمَ الغيب)، و(العلوم الرياضية) (علمَ الأدب)، وسمَّى (الموسيقا) (تأليفَ اللحون).
• عبَّر عن (تشريع القوانين) أو (وضعها) بـ(تسنين السُّنَن). وعبَّرَ عن ذلك في «كليلة ودمنة» بـ(وضْعِ السُّنن). ولم أجد في المعاجم لفظَ (التسنين). وأما (القوانين) فمفردَها (قانون)، وهي كلمة يونانية، أصلُها (كانُون = κανών).
• سمَّى (المادَّة = الهيُولا) [كذا ينبغي رسمها] (الطِّينةَ)، وسمَّى (الصُّورة) (الصِّيغةَ). وهي ترجمة بديعة!
• سمَّى (الجوهر) (عينًا). وفي ذلك يقول الخوارزمي في «مفاتيح العلوم»: (ويسمِّي عبد الله بن المقفع الجوهر عينًا. وكذلك سمَّى عامة المقولات وسائر ما يُذكر في فصول هذا الباب بأسماء اطَّرحها أهل الصناعة). و(الجوهر) كلمة فارسية، أصلُها (كۛوهر) [بالكاف المجهورة = القاف المعقودة]. على أن لفظ (العين) لا يزال مستعملًا بهذا المعنى على قلَّة.
وللحديث بقيَّة.
• سمَّى ابن المقفع (الماهية) (حِلْيةً). و(الماهيةُ) من وضع المتكلمين كما ذكر الجاحظ. وهي مصدر صناعي مركَّب من (ما هي).
• جمعَ (الفيلسوف) على (فيلسوفيِّينَ)، وكأنه لم يجرُؤ على تكسيره لحِدثان عهده، فجمعَه جمع سلامة. وقريبٌ منه جمعُهم (الأستاذَ) أولَ طروئه عليهم -وهو لفظ فارسي الأصل- على (أُستاذِينَ)، ثمَّ استحبُّوا بعد ذلك تكسيره على (أساتذة). ومنه جمعُ (القسِّيس) -وهو سرياني الأصل- في كتاب الله تعالى على (قسِّيسين)، ثمَّ راغ الناس في ما بعدُ إلى تكسيره على (قساوسة). فكذلك لمَّا طالَ تقلُّب لفظ (الفيلسوف) في كلامهم جسَروا عليه فكسروه على (فلاسفة). والتكسير ضربٌ من الشجاعة والاقتدار ودليلٌ على رسوخ الملكة وعلى الثقة بهداية السليقة.
• سمَّى (المعيَّة) (التوافيَ). و(المعيَّةُ) مصدر صناعي مِن (معَ)، مولَّدٌ.
• سمَّى (التصوُّرات = المعاني الذهنية) (همومَ القلب)، وعبَّر عن قولنا: (ليس بمتصوَّرٍ كذا) بأن قال: (ليس بمظنونٍ كذا). ولفظُ (التصوُّر) بهذا المعنى مولَّدٌ -أحسبُ- في منتصف القرن الثاني الهجري تقريبًا.
• سمَّى الزمن (الحاضر) (مقيمًا)، والزمن (المستقبَل) (منتظَرًا).
• عبَّر عن ما ندعُوه نحن (الخلاصةَ = النِّقاطَ الجوهرية) بـ(الجوامع) إذ قال: (ونحن مقتصرون على الجوامع من حجج كلا الفريقين).
• سمَّى (الأسئلة الموضوعية) (مسائلَ الحَجْر) لأن السائل يحجُر على المسئول أن يتجاوز ما يُنصب له من الأمور التي يُخيَّر بينها. وسمَّى (الأسئلة المقالية) (مسائلَ التفويض) لأن السائل يفوِّض إلى المسئول أن يُجيب بما شاء من غير حجْر. و(المسائلُ) جمع (مسألة)، وهي مصدر ميمي بمعنى السؤال. وهي غالبةٌ في كلام المتقدمين.
• سمَّى (المستقرَى) (الملتقَط). وينبغي أن يكون (الاستقراءُ) (الالتقاطَ)، قال: (لأنه عِلمٌ يُلتقَط من أشياء صغار خواصّ حتى يصير كالعِلم).
• يقال في بعض الموادّ القانونية: (يُقصد بالألفاظ والعبارات الآتية المعاني المبينة أمام كلٍّ منها). وابن المقفع يستعمل موضعَ (أمام) هنا لفظَي (حِذاء) و(تِلقاء). وهما أوفَق وأجود.
• استعمل ابن المقفع لفظَ (النتيجة) بمعنى الحُكم والقضية المستنتَجة من مقدِّمات. واستعمله في «كليلة ودمنة» أيضًا بهذا المعنى وبمعنى حصيلة الأمر وعاقبته. وهو أقدم استعمالٍ ثابتٍ نعرفه. وقد جعل معجمُ الدوحة التاريخي أقدم استعمالاته ما جاء في كلام لعبد المسيح الكندي (ت218هـ). والحقُّ أن ابن المقفع (ت145هـ) قد سبقَه إلى ذلك.
• جمعَ لفظ (البَيان) -وهو مصدر- جمع مؤنث سالمًا فقال: (البيانات). وهو أقدم استعمال لها نعْلمُه. وذلك من الغريب المستندَر لأن جمع المصادر على هذا الجمع وإن وَلِع به المعاصرون وأكثروا منه؛ قليلٌ جدًّا في كلام العرب والمتقدمين. ومن المنقول منه عن المتقدمين جمعُهم (البلاغ) على (بلاغات)، و(الثار) على (ثارات)، و(الزئير) على (زئيرات).
• جاء في بعض كلامه (الغير الواجبِ) و(الغير البيِّنِ الصِّحة) بلَحاق (أل) لكلمة (غير) مع إضافتها. وهو غريب جدًّا! ولا أدري أهو ثابتٌ عنه أم مصحَّف عليه.
• استعملَ (أبدًا) لما مضى من الزمان. وهو من ما عدَّه الحريري من الأوهام في «درته»، وزعمَ (أن العرب تستعمل لفظة «قطّ» في ما مضى من الزمان كما تستعمل لفظة «أبدًا» في ما يُستقبَل منه فيقولون: «ما كلمته قطّ» و«لا أكلمه أبدًا»).
تمَّ ما انتقيتُه من فوائد هذا الكتاب.
هذه بعض الفوائد من كتاب «المنطق» الذي ترجَمه ابن المقفع أنثرُها هنا:
• سمَّى ابن المقفع (طَرْد) القياس أو الأمر (قِيادًا). وسمَّاه في «رسالة الصحابة» (قِيادًا) و(قَوْدًا) أيضًا. ووجدتُّ عبد القاهر الجرجاني استعملَ (القَوْد) في بعض كلامه.
• سمَّى (العلم الطبيعي) (علمَ الأجساد)، و(العلم الإلهي = ما وراء الطبيعة، الميتافيزيقا) (علمَ الغيب)، و(العلوم الرياضية) (علمَ الأدب)، وسمَّى (الموسيقا) (تأليفَ اللحون).
• عبَّر عن (تشريع القوانين) أو (وضعها) بـ(تسنين السُّنَن). وعبَّرَ عن ذلك في «كليلة ودمنة» بـ(وضْعِ السُّنن). ولم أجد في المعاجم لفظَ (التسنين). وأما (القوانين) فمفردَها (قانون)، وهي كلمة يونانية، أصلُها (كانُون = κανών).
• سمَّى (المادَّة = الهيُولا) [كذا ينبغي رسمها] (الطِّينةَ)، وسمَّى (الصُّورة) (الصِّيغةَ). وهي ترجمة بديعة!
• سمَّى (الجوهر) (عينًا). وفي ذلك يقول الخوارزمي في «مفاتيح العلوم»: (ويسمِّي عبد الله بن المقفع الجوهر عينًا. وكذلك سمَّى عامة المقولات وسائر ما يُذكر في فصول هذا الباب بأسماء اطَّرحها أهل الصناعة). و(الجوهر) كلمة فارسية، أصلُها (كۛوهر) [بالكاف المجهورة = القاف المعقودة]. على أن لفظ (العين) لا يزال مستعملًا بهذا المعنى على قلَّة.
وللحديث بقيَّة.
بين يديَّ الآن كتابٌ لابن المقفع لم أقف عليه إلا بأخَرةٍ، ولا يكاد يَعْلم بخبره أحدٌ. وقد عجِبتُ حين ظفرتُ به أنَّه مطويُّ الذِّكر مغيَّب عن الأيدي والأبصار. ومتى قضيتُ قراءته -وأنا أقرؤه الآن- سمَّيتُه هنا ونبَّأتُ مِن أخباره وذكرتُ شيئًا من فوائده إن شاء الله.
قرأنا في هذا المجلس بفضل الله من مؤلفات ابن المقفع:
(الأدب الصغير) و(الأدب الكبير)، و(الدرة اليتيمة) ويتيمته الأخرى و(حِكم لابن المقفع) من رسائل البلغاء.
سنقرأ رسالته في الصحابة يوم الاثنين، وبعدها ننتقل إلى كتاب آخر من عيون الأدب العربي إن شاء الله تعالى.
• سمَّى ابنُ المقفع (الجَماد) [هو بفتح الجيم. وضمُّه خطأ] (مَواتًا)، يريد به ما لا حياة فيه، ضدّ (الحيَوان = الكائن الحيّ). واستعملَه سيبويه مِن بعده فقال: (فرقوا بين المَوات والحيوان).
• سمَّى (الفَصل) في الحدود (الفُرقان). وهو لفظ رشيق من ألفاظ القرآن.
• عبَّر عن (اختبار الحدِّ) بـ(مِحنة الحدِّ)، أي: امتحانه.
• سمَّى (العكس) الذي يُختبر به الحدُّ (الانقلاب)، قال: «فأما محنة الحدِّ التي بها تُعرف صحته فأن يدور منقلبًا على نفسه»، أي: ينعكس.
• سمَّى (المِلك) -وهو من المقولات العشر- (الجِدَة). وسمَّى (الوضع) -وهو من المقولات العشر أيضًا- (النِّصبة). وتبِعه فيها الجاحظُ في ذكره لأصناف الدلالات.
• عبَّر عن ما نسميه (إشكالًا) أو (إشكاليةً) بلفظ (العُقدة) فقال: «فحلَّ أرسطاطاليس هذه العُقدةَ».
• سمَّى (الذات المحسوسة) التي هي نقيض المعنَى (جُثَّةً). واستعملَها سيبويه ومَن بعدَه من النحاة. ثمَّ غلب لفظ (الجُثَّة) بعد ذلك على جسم الإنسان أو الحيوان الميِّت.
وللحديث بقيَّة.
يتأذّى أهل الفِطَر السليمة من اللّحن، ولا يُخفون استياءهم منه.
اليوم اكتشفت أن اللّحن ليس بشيء إذا قيس بالضعف الشديد في معرفة أبجديّات النُطق الصحيح للكلمات.
استمعت إلى مقطع طويل، لرجلٍ عربيٍّ أصيل، بالغٍ في الأكاديميّة أعلى الدرجات، فما استطعت إكماله، لكثرة أغلاطه، مع أنّه كان يقرأ في شاشة أمامه!
ضعف التأسيس مشكلة عظيمة، بدأنا الآن نرى آثارها.
الكتاب الذي حدثتُكم عنه لابن المقفع هو هذا الكتاب الذي ترجمَ فيه ثلاثة كتب من كتب أرسطو في (المنطق)، وهي (المقولات)، و(العبارة)، و(القياس). وزادَ عليها ترجمةَ (المدخل = إيساغوجي). وقد تصرَّف ابن المقفع في تراجِمه هذه فِعْلَ الملخِّص الشارح، فزاد ونقصَ وبدَّلَ، وأتَى بما يُستملَح ويُستطرَف من الألفاظ، وأعثَرَنا على شيء من تواريخ المولَّدات، فتركَ لنا بذلك مغانمَ كثيرةً ينتهِبُها المترجِم والمؤرِّخ للألفاظ، ويلتذُّ بها محبُّ الفصاحة والبيان. وسأوردُ شيئًا من ذلك إن شاء الله تعالى.
بين يديَّ الآن كتابٌ لابن المقفع لم أقف عليه إلا بأخَرةٍ، ولا يكاد يَعْلم بخبره أحدٌ. وقد عجِبتُ حين ظفرتُ به أنَّه مطويُّ الذِّكر مغيَّب عن الأيدي والأبصار. ومتى قضيتُ قراءته -وأنا أقرؤه الآن- سمَّيتُه هنا ونبَّأتُ مِن أخباره وذكرتُ شيئًا من فوائده إن شاء الله.
بسم الله .. نعلن عن فتحٍ جديد:
"ديوان المتنبّي الرقمي"
فهذا صرح أنهيت -بحمد الله- تشييده، أقمته على ميزان العصر وشروطه، تحرّيت الإحسان في تفاصيله، وقصدت منه تحبيب الأدب في النفوس، وتقريب فهم الشعر إلى محبّيه وشداته.
جميع المطبوع من كتب ابن المقفع:
- "كليلة ودمنة" تح عبد الوهاب عزام. دار الشروق.
- "الأدب الكبير".
- "الأدب الصغير" كلاهما تح أحمد زكي باشا. مطبعة مدرسة محمد علي.
- بقية رسائله في "رسائل البلغاء" لمحمد كرد علي و"جمهرة رسائل العرب" لأحمد صفوت. ومنها "الصحابة" وبقية "الدرة اليتيمة".
إذا علمنا أنه لم يُنطق بأكثر من ألف أو واو أو ياء فلا يصحُّ أن يُثبت في المكتوب حرفٌ لا يوجد في المنطوق لأن الكتابة كالرسول المؤتمن على الرسالة، فهو يؤدي النطق كما سمِعه لا يزيد فيه ولا يَنقص منه، وليس له أن يُحْدِث معاني لم تكن فيه.
أما التعبير عن معنى المبالغة والتوكيد فسبيله أن يكون إمَّا بالبِنية كأن تقول مثلًا إذا أردت المبالغة في (كبير): (كُبَار) كما قال الأعشى: (يسمعها لاهُه الكُبَار)، فإن شئتَ أن تُنْعِم المبالغة قلتَ: (كُبَّار) كما قال تعالى: ((ومكروا مكرًا كُبَّارًا))، وإمَّا بإلحاق ألفاظٍ دالَّة على ذلك كأن تستعمل التوكيد اللفظي فتقول: (كبير كبير) كما قال تعالى: ((هيهات هيهات لما توعدون)) أو تُقْسِم فتقول: (كبير والله) أو توكِّد بـ(إنَّ) واللام نحو (إنه لكبير) أو بالمفعول المطلق نحو (كبير كِبَرًا) أو تتعجب فتقول: (يا له من كبير) كما قال امرؤ القيس: (فيا لك من ليل...) أو غير ذلك كأن تقول: (كبير جدًّا) و(حَقُّ كبيرٍ) كما قال الحماسي: (بضرب الطُّلى والهامِ حقُّ عليمِ)، وإمَّا بوضع علامة ترقيم مناسبة، والمناسِب هنا علامة التأثر (!)، فتكتب (كبير!). فإن أردتَّ أن تبالغ أكثر من ذلك أتبعتَها علامة مثلَها (كبير!!). وهذا يفي بالحاجة وفوق الحاجة.
س: هل كان عرب الجاهلية يؤمنون بالبعث والنشور؟
ج: لم يكن أكثرهم يؤمن بالبعث والنشور، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ وقوله: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾، ولكن منهم قومًا -وهم قليل- يؤمنون بذلك، منهم زهير في قوله:
يؤخَّر فيوضع في كتاب فيدخَر * ليوم الحساب أو يعجل فينقم
قال الأصمعي: «جامعَ زهير قومًا من يهود -أي: قاربهم- فسمع بذكر المعاد فقال قصيدته»، وذكرَ البيتَ. ومنهم الأعشى في قوله:
بأعظم منه تقًى في الحسابِ * إذا النسمات نفضن الغبارا
ولبيد في قوله:
وكل امرئٍ يومًا سيعلم سعيه * إذا حُصِّلت عند الإله الحصائلُ
إن كان قاله في الجاهلية.
والأخنس بن شهاب التغلبي في قوله:
وعلمتُ أن الله جازٍ عبده * يوم الحساب بأحسن الأعمالِ
وكانوا إذا مات الرجل عقلوا عند قبره ناقته، فلا يسقونها ولا يَعلفونها حتى تموت، ويزعمون أنه إذا بُعِث ركب عليها إلى المحشر، ويقولون: إن من لم يُفعل به ذلك بعد موته حُشر راجلًا. وعليه قول جُريبة بن أشْيَم الفقعسي يوصي ابنه:
لا تتركنَّ أباك يعثر راجلًا * في الحشر يُصرع لليدين ويُنكب
واحمل أباك على بعير صالح * وتَقِ الخيانة، إن ذلك أصوبُ
فمن لم يكن منهم يهوديًّا ولا نصرانيًّا فإنما أخذ ذلك عن من خالطَه من اليهود أو النصارى إما مؤمنًا بذلك مصدِّقًا وإما حاكيًا غير جازم. ويجوز أن تكون بعض الأبيات التي فيها ذكر البعث منحولة بعد الإسلام.
هذا إذا كانت التسوية بين اسمين. فإن كانت التسوية بين فعلين قلتَ: (سيُجازى الإنسان بعمله أحسنَ أو أساءَ). وأجاز الخليل (سيُجازى الإنسان بعمله أأحسن أم أساء) بإلحاق همزة الاستفهام مع (أم).
ويجوز أن تُردَّ إلى ذلك التسويةُ بين اسمين بزيادة (كان) كما مرَّ فيقال: (سيُجازى الإنسان بعمله كان ذكرًا أو أنثى)، فإن أخرتَ (كان) قلتَ: (سيُجازى الإنسان بعمله ذكرًا كان أو أنثى) كما تقدَّمَ، وفي قول الخليل (سيُجازى الإنسان بعمله أكان ذكرًا أم أنثى).
قال سيبويه: "وتقول: لأضربنَّه ذهبَ أو مكثَ، كأنه قال: لأضربنَّه ذاهبًا أو ماكثًا، ولأضربنَّه إن ذهب أو مكث. وقال زيادة بن زيد العذري: (إذاما انتهى علمي تناهيت عنده * أطال فأملى أو تناهى فأقصرا) وقال: (فلست أبالي بعد يوم مطرفٍ * حتوفَ المنايا أكثرت أو أقلتِ).
وزعم الخليل أنه يجوز: لأضربنَّه أذهب أم مكث".
يكثُر في كلام المعاصرين استعمال (سواء) في كل ما يُراد بيان استواء الحكم في أنواعٍ منه، نحو (سيُجازى الإنسان بعمله سواء أكان ذكرًا أم أنثى). ولا يكادون يستعملون غيره. وأخصر من هذا وأعذبُ أن يُكتفى بذكر النوع منصوبًا على الحال فيقال: (سيُجازى الإنسان بعمله ذكرًا أو أنثى). وعلى ذلك قوله تعالى: ((ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله))، ألا ترى أنه لو رام أحد من المعاصرين أن يعبِّر عن ذلك لقال: (ولا تسأموا أن تكتبوه سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا إلى أجله). ومنه أيضًا قوله: ((انفروا خفافًا وثقالًا)). ولم يقل: (انفروا سواء أكنتم خفافًا أم ثقالًا) وقوله: ((الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم)). ولم يقل: (الذين يذكرون الله سواء أكانوا قيامًا أم قعودًا أم على جنوبهم. وقد تُذكر (كان) -وهو حسن أيضًا- كقولك: (سيُجازى الإنسان بعمله ذكرًا كان أو أنثى). وعليه قول الخليل: (الغدير: مستنقع ماء المطر صغيرًا كان أو كبيرًا).
هل تجوز كتابة (نشوؤُه) و(هُدوؤُه) و(وضوؤُه) ونحوها بواوين هكذا؟
لا يجوز ذلك لأن رسم الهمزة مبنيٌّ على مراعاة مذهب تخفيفها، وتخفيفُها في هذه الألفاظ بالإدغام (نشوُّه) و(هُدوُّه) و(وضوُّه)، فتكون صورة الواو واحدةً، وهذا يوجب رسم الهمزة مفردةً على السطر (نشوءُه) و(هُدوءُه) و(وضوءُه). ولم يخالف في هذا أحدٌ أعلمُه إلا مصطفى الغلاييني (ت1364هـ). وتبِعه على ذلك مجمع اللغة العربية بدمشق. وقد بينتُ هذه المسألة في كتاب «قوانين الإملاء 50».