لو علمنا كيف يُدبِّر الله أمرَنا، وكيف أنه تعالى مُحيطٌ بتفاصيل شأننا، وأن أحدًا لا يخرج عن هيمنةِ تصريفه للكون إلا بإذنه ومشيئته.. لاحتقرنا الأسباب التي قدَّسناها كثيرًا؛ فلم نرفعها فوق اشتغال جوارحنا بها فحسب، وجعلنا اعتمادَ قلوبنا على الله وحده .
سيأتي يومٌ تخفت فيه كلُّ أصوات الدنيا،وينطفئ من حولك ذلك الضجيج الذي استنزف قلبك، وتغادر كلَّ ما ألفتَه ومضيتَ خلفه، متوجّهًا إلى لقاء الله… فردًا، لا تحمل معك إلا ما قدَّمت.
وحينها ستتكشّف لك الحقائق كاملة؛ فكم من معركةٍ ظننتها مصيرية، لم تكن إلا حدثًا عابرًا، وكم من خصومةٍ أرهقت روحك، لم يكن لها في ميزان الآخرة أيُّ وزن، وكم من انشغالٍ سرق أيامك وأبعدك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية.
فلا تنتظر لحظة الرحيل حتى تدرك ذلك متأخرًا؛ أدركه الآن، وأنت لا تزال تملك مهلة العمل، وفرصة التوبة، والقدرة على إصلاح ما مضى.
خفّف تعلّقك بما يفنى، واعمُر آخرتك بما يبقى: بصلاةٍ خاشعة، وتوبةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وكلمةٍ طيبة، وأثرٍ من الخير لا ينقطع.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
ستفقد والديك، وتتبدل وشائج القربى مع إخوتك، إذ ينصرف كلٌ لشأنه وعائلته، وتُرسم الحدود بما لم تألفه، وقد يلمّ بكم ما ألمّ بإخوة يوسف؛ فاجتهد لبناء عائلة قائمة على المودة والرحمة، تمنحها ما كنت ترجوه من إخوتك، فمواجهة صروف الدهر مع أحبة خير من مجالدتها وحيدًا.