قدّر الله أن اكون متواجد في احدى صالات الانتظار استعد لركوب طائرتي المتجهة إلى مدينة رسول الله ﷺ بالأمس في مطار الملك خالد في الرياض، وسط اجواء يملؤها الهدوء والسعادة والضحكات، بين رجل يقرأ كتابه، وأخر مُحرم رفقة والدته المسنّة ملبيان لله بالعمرة، وأب يحضر المشروبات لزوجته وابناءه، و طفلة توزع قبلاتها الطائرة على المسافرين بوداع الفرِح لركوب الطائرة ويدها بيد أمها التي تدفع عربة طفلها الاخر وهي تنهاها بصوتها المُحرَج آمرة لها بالتوقف.
وفي لحظة تأمل خلف زجاج صالة الانتظار لمدرج الطائرات بين طائرة مقلعة واخرى تستعد، فإذا بانفجار امام ناظرنا مصحوب بصوت هز قلوب النساء والاطفال، وفي طرفة عين تحول ذاك المشهد المليئ بالحياة الى صمت…
وفي لحظة عدم وعي بما حصل، رُمي الكتاب، وحُبس من لبى لله، وسُكبت المشروبات، وتحولت القبلات الطائرة الى دموع والحرج الى غريزة امومة تذود عن طفليها، وهرع المتواجدون الى الجهة المعاكسة لموقع الحادث. هذا اب يؤمّن اهله، وهذا شاب يحمي والدته المسنّة، وهذه ام تؤمّن اطفالها، ومن لم يكن معه اهل، رأى في المكان كلهم اهله، هذا يحمل طفلة هذه، وذاك يحمل متاع تلك، وهؤلاء يأتون بالعربات لدفع المسنّين، وهذا يزجر ويمنع من يرفع هاتفه للتصوير، ولسان حالهم يقول "هذا وطني، و أنا رجل الأمن هنا" ورُفعت الاصوات بذكر الله، وكل هذا في أول دقيقة من الحدث، وقف الرجال في ثبات حرصًا على تأمين النساء والأطفال والمسنّين، ومسلِّمين امرهم لربهم إن كان سبحانه قد كتب لهم ان يلقوه هنا، ليلقوه سبحانه بهذا العمل.
وماهي الا لحظات حتى بدأ الأبطال من رجال أمن وكادر المطار والدفاع المدني بتأمين المسافرين وتوجيههم إلى نقطة التجمع بعيدًا عن مكان الحادث في الوقت الذي كانوا انفسهم والطاقم الطبي يتسابقون لقلب الحادث سباق من يجري غير آبه بحياته طالما أنه في سبيل اخراج وتأمين وتطبيب المتضررين.
وما إن زال روع الصوت من نفوس الناس حتى أدركوا أنهم بفضل الله في بلد الأمن و الأمان، وبدؤا وسط تطمين وتوجيه كادر المطار لهم بالإخلاء والتوجه إلى نقطة التجمع، هذه تهدئ الفتاة الباكية، وهذا يحمل متاع المرأة في الدرج، وهذا يتلو قوله تعالى (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ويذكّر الناس بذكر الله، وسط مشي هادئ بقيادة ابطالنا من كادر المطار. وما ان وصلنا لنقطة التجمع إلا وجمع من الناس قد وصلوا قبلنا آمنين وكادر المطار يطمئن الناس ويوزع الماء ويؤكد لهم ان الجميع سيخرج بأمان بإذن الله، وهذا ماكان بفضل الله.
وقفت متأملًا في الوجوه، ماذنب هذا المسن البنغلاديشي الذي جاء قاصدًا بيت الله ليُحبس؟ وماذنب هذه الام التي رُوِّعت بطفلها؟ وماذنب هذه الطفلة التي لا تعلم إلا انها خائفة؟ فعلمت أن الله العليم الحكيم له حكمته سبحانه في كل أموره وأنه سبحانه حسبنا ونعم الوكيل. وعلمت أن ماشعرت به من غضب لهم في لحظتها ماهو بأشد من مشاعر ولاة امرنا ومن يأخذ بحقهم بإذن الله تعالى.
وأيقنت أن نهاية أعداء الله قد اقتربت بإذن الله العزيز. فالذي يُفسد في الارض ويستغل المدنيين العزّل لحماية نفسه ويستهدف المسنّين والنساء والأطفال فإن الله يمهله ولا يهمله. فأسأل الله العزيز أن يعذبهم بأيدي جنودنا ويخزيهم وينصرنا عليهم ويشفِ صدور قوم مؤمنين، و أن يجعل كيدهم في نحرهم وتدبيرهم تدميرًا لهم هم ومن عاونهم وناصرهم وأيدهم، وأن يحرر أرض اليمن منهم وأن يقطع دابرهم.
واسأل الله سبحانه أن يرحم الشهداء بواسع رحمته ويشفي ويعافي المصابين ويربط على قلوب ذويهم. والحمدلله على نعمة هذا البلد العظيم، الذي آلف الله بين قلوب شعبه وولاة امره ليلتحموا كالجسد الواحد، وسخر لنا ولاة أمر يسهرون لرخاءه وراحته، وجنودًا لحفظ امنه وامانه.
(..فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
اللهم إنه قد حمل أمرًا عظيمًا، اللهم فأعنه على ما حمل.
اللهم اجعل ذوده عن مقدساتنا، وحمايته لثغورنا شاهداً له، وحِرزًا عظيمًا يلقاك به.
واجعل كل رفعةٍ ونماءٍ حققها لوطنه، نورًا يضيء دربه، وبركة تحفّ عمره وعمله.
إلى أبطالنا في الجو والبر والبحر: أنتم فخر الوطن وعزّه، سدّد الله رميكم. خلفكم شعب وفيّ. يحملكم في قلبه ودعائه.
هذه بلاد الحرمين، وطن العز والمجد، ونحن أهلها وحماتها، نفديها بالغالي والنفيس. على الله توكلنا، وبه ننتصر.
لنضع الأمور في نصابه الصحيح:
صنعاء محتلّة ردها الله لليمن وأهلها سعيدة قريبًا،
ميليشيا الحوثي الإرهابية وليس الحوثي فقط، بل هم قرامطة العصر وأشد، القرامطة سرقوا الحجر وخربوا وهولاء يرسلون مسيراتهم على الكعبة والمدينة.
لا نقبل بتصريحات تُميّع الحقائق
ولا نحتاج تعاطف وتصاريح سد العذر، وقوفك من عدمه يحدد موقفك أنت، أما المملكة فلا يضرها أن تكون ضدها ولسنا بحاجة لموقفك البارد، والأعداء اختلفوا على مر الأزمان ووسعتهم مزبلة التاريخ، وبقيت المملكة شامخة مزدهرة وما يحدث اليوم سيلحق ذلك
صحت نجد على صوت النباح ولجّة الغربان عوافي .. قربي منك الوساده وادخلي لحافك
كأنك ما تعوّدتي على التجريح والنكران من اللي زادهم في ما مضى من لحم اكتافك
تغطّي .. ما عليك إلا الرضا ورعاية الرحمن صياحٍ ما يساوي طلّتك من راس مشرافك
بدر بن عبدالمحسن - رحمه الله -
من نصوص أبي محمد بن حزم التي يتجدد وقعها في وجداني كل مرة أعود إلى قراءتها، نص يفيض بالمعنى والبصيرة، يقول:
"إذا تعقبت الأمور -كلها- فسدت عليك، وانتهيت في آخر فكرتك باضمحلال جميع أحوال الدنيا إلى أن الحقيقة إنما هي العمل للآخرة فقط؛ لأن كل أمل ظفرت به فعقبه حزن؛ إما بذهابه عنك، وإما بذهابك عنه، ولا بد من أحد هذين السبيلين؛ إلا العمل لله عز وجل، فعقبه على كل حال سرور في عاجل وآجل… وأما في الآجل فالجنة".
ولو أردت أن أضع لكلمات ابن حزم عنوانًا قرآنيًا، لكانت مقولة الخليل إبراهيم الجليلة:
(لا أحب الآفلين)
فكل ما يغيب ويختفي ويأفل ويتلاشى وينتهي، فهو مؤقت لا خلود له فلا ينفع القلب تعلُّقُه به، بل قد ينقلب ألمًا وعذابا.
"لا أحب الآفلين"؛ لأن الروح بفطرتها لا تشفى ولا تروى ولا تسكن بالفاني، بل بالخالد الباقي، تتغذى بمحبة الإله وقربه وتجليات رحمته، وتتطلع إلى دار البقاء والدوام.
أحب كيف ينطبق مبدأ (لا تحقرنّ صغيرة، إن الجبال من الحصى) على كل شيء، على العادات الجيدة والسيئة، وعلى البناء والهدم. وتذهلني نتيجة الدأب كل مرة، سبحان من وضع هذه السنة الكونية الرحيمة.
هناك سيّدة اسمها " ليلى الجهني"، كتبت ملفاً قصيراً بعنوان " في الوحشة وأحوالها" أزاح عن قلبي الوحشة. وهكذا أحب آخذ أدبي، مؤنسي وملاذي. كلما فكرت في هذه القطعة شعرت بالأمل في المطلق. مرتبة مأنتكة رقيقة مدروسة. مقدمة وخاتمة منتقاة بعناية، وبينهما مجموعة قصص قصيرة.
قد تبدأ الحكاية برسالة بريد عادية ومهنية كهذه، لكن سؤالًا واحدًا سيكشف ما وراءها🕵️♀️!
وصلتني هذه الرسالة منذ فترة قريبة بعرض لمشروع ترجمة أدبية، وقبل أن أناقش السعر أو أوافق على العمل، سألت عن الجهة التي سأتعاقد معها؛ ما اسمها القانوني؟ وأين يقع مقرها؟
لم أحصل على إجابة واضحة، ولما أفادوني بموقع الجهة، بحثت عنها فوجدت تحذيرًا منشورًا على موقع ProZ عن عملية احتيال تستهدف المترجمين، بتفاصيل تطابقت إلى حد كبير مع ما وصلني، من اسم الشخص إلى وسيلة التواصل التي كانت عبر Teams.
أشارك هذه التجربة لأن الاحتراف في صياغة الرسالة، ووجود موقع إلكتروني، لا يكفيان لمنح أي جهة صفة الموثوقية؛ فقبل أن تسأل عن المقابل المادي اسأل عن الطرف الذي ستتعاقد معه؛ تحقق من الصفة القانونية للجهة، واسمها المسجل، ومقرها، قبل بدء العمل أو مشاركة بياناتك تحديدًا، فالجرائم الإلكترونية وعمليات النصب والاحتيال باتت كمتحور فيروسي يداهمنا في كل مرة بأسلوب وطريقة جديدة لا تخطر على البال؛ دقائق من التحقق ستختصر عليك الكثير 👍🏻!
#كن_واعيا
#عون_المترجم
كتب ربيع جابر كما لو أنه في سباق مع الزمن؛ رواية تتبع أخرى، وبيروت تتسع في كتبه مدينةً وذاكرةً وأرشيفًا. ثماني عشرة رواية في أقل من عشرين عامًا، ثم بلغ ذروة الاعتراف الأدبي مع (دروز بلغراد) وفوزها بالبوكر، حضر الفعالية بارتباك، ثم دخل بعدها في صمت طويل.
تعرفت إليه بعمق في ٢٠١١ في أحد مقررات الماجستير في مانشستر، قرأنا (طيور الهوليداي إن) إبان صدورها، وترجمنا بعض صفحاتها، وناقشنا بناءها السردي، وتمثيلها للحرب والذاكرة والمدينة، والطريقة التي تتحول بها العمارة إلى فضاء كثيف للعلاقات والتاريخ والخوف. وما زلت أستحضر شعور الدهشة الذي تلبسني حينها، أذهلني ذلك الوعي الثقافي والجودة الأدبية الرفيعة.
خمسة عشر عامًا تقريبًا مرّت منذ آخر رواياته. ابتعد ربيع عن المقابلات والندوات والمشهد الأدبي، وبقي -كما يذكر عارفوه- في بيروت يمشي ويقرأ ويبحث في المكتبات، فيما واصلت كتبه حياتها من دونه؛ تُقرأ، وتُترجم، وتُدرَس، ويزداد صاحبها غيابًا.
بحثت قبل سنوات عن قصة اختفائه، ولفتني شحّ ما كُتب عنها. ومن بين ما وجدته منشور جميل للروائي والصحفي أحمد المرسي بعنوان (أين اختفى ربيع جابر؟) ومادة لكريستين حبيب في «الشرق الأوسط» بعنوان (بحثًا عن ربيع جابر… بين أزقة بيروت وسطور رواياته). وبعد بحث جديد، ما تزال هاتان المادتان من القليل جدًا الذي اقترب مباشرة من لغز هذا الغياب.
وربما كان هذا الشح جزءًا من الحكاية نفسها.
في زمن صار فيه الكاتب مطالبًا بحضور دائم، وبصورة وصوت ومقابلة ومنصة، تبدو حالة ربيع جابر فريدة ومثيرة، وجديرة بالتأمل والدراسة؛ كاتب بلغ الشهرة والاعتراف، ثم اختار الظل، وعاد إلى القراءة والبحث، وربما إلى كتابة بقيت بينه وبين الورق.
ويبقى السؤال الذي يزداد إثارة كلما طال الصمت: ماذا يفعل روائي بهذه الطاقة السردية طوال خمسة عشر عامًا؟ وأي رواية يمكن أن تكون قد نضجت في كل هذا الغياب؟
وربما يحتاج ربيع جابر اليوم إلى (إيمان مرسال) أخرى؛ باحثة أو كاتب يتتبع أثره في بيروت، يعود إلى أرشيفه ومقابلاته وأصدقائه وناشريه، ويعيد تركيب حكاية هذا الصمت الطويل. تجربة (في أثر عنايات الزيات) تذكّرنا بأن غياب الكاتب قد يصبح أحيانًا مدخلًا إلى قراءة أعمق لحياته ونصوصه معًا.