ما خلأتِ القصواء
كنتُ أُقلِّب كتاب «التعالم» للشيخ بكر أبو زيد ـ رحمه الله ـ فوقفتُ على لطيفةٍ ما كنتُ أظن أن راويتَها ناقة.
ذلك أن النبي ﷺ لما سار إلى الحديبية بركت به ناقتُه القصواء، فزجرها الناس: حَلْ حَلْ، فألحّت، فقالوا: خلأتِ القصواء! و«خلأت» أي حَرَنت، والخِلاء في النوق كالحِران في الخيل. فقال ﷺ كلمته العجيبة: «ما خلأتِ القصواءُ، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابسُ الفيل». فانظر كيف دفع ﷺ عن ناقته تهمةَ سوء الخُلُق؛ لأنها لم تُعرَف به فيما مضى.
والتقط الحافظ ابن حجر من هذا فائدةً نفيسة في «الفتح»: أن الشيء يُحكَم عليه بما عُرِف من عادته؛ فمن وقعت منه هفوةٌ لا يُعهَد منه مثلُها لم تُنسَب إليه، ورُدَّ على من نسبه إليها، وعُذِر من جهل حاله؛ ولهذا لم يعاتب ﷺ أصحابه على ظنهم.
ثم بنى الشيخ بكر على هذا: إذا أعذر ﷺ بهيمةً غيرَ مكلَّفة استصحاباً لعادتها، فعالِمٌ عُرِفت استقامتُه ثم بدرت منه هفوة، أولى بالإعذار وألا يُشنَّع عليه، بل تُغمَر هفوتُه في بحر علمه وفضله؛ وإلا كان المعنِّف عوناً للشيطان على أخيه. وقال مُعجَباً: «فما ألطف هذا الاستدلال، وأدقَّ هذا المنزع!».
سيأتي يومٌ تخفت فيه كلُّ أصوات الدنيا،وينطفئ من حولك ذلك الضجيج الذي استنزف قلبك، وتغادر كلَّ ما ألفتَه ومضيتَ خلفه، متوجّهًا إلى لقاء الله… فردًا، لا تحمل معك إلا ما قدَّمت.
وحينها ستتكشّف لك الحقائق كاملة؛ فكم من معركةٍ ظننتها مصيرية، لم تكن إلا حدثًا عابرًا، وكم من خصومةٍ أرهقت روحك، لم يكن لها في ميزان الآخرة أيُّ وزن، وكم من انشغالٍ سرق أيامك وأبعدك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية.
فلا تنتظر لحظة الرحيل حتى تدرك ذلك متأخرًا؛ أدركه الآن، وأنت لا تزال تملك مهلة العمل، وفرصة التوبة، والقدرة على إصلاح ما مضى.
خفّف تعلّقك بما يفنى، واعمُر آخرتك بما يبقى: بصلاةٍ خاشعة، وتوبةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وكلمةٍ طيبة، وأثرٍ من الخير لا ينقطع.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
جميل هذا الكلام من أحمد أمين
يقول:
"شر ما ألاحظ في الشرق حنينه الشديد إلى الماضي، لا أمله القوى في المستقبل، واعتقاده أن خير أيامه ما سلفت لا ما قدمت، وإعجابه الشديد بأعمال الماضين وإهمال المعاصرين؛ له منظاران: منضار مكبر يلبسه إذا نضر إلى الماضيومنظار مصغر اسود يضعه إذا نظر إلى الحاضر والمستقبل. يلذه أن يطيل البكاء على الميت، ولا يلذه أن يتدبر فيما يجب أن يفعله الأحياء؛ يستسهل النفقات مهما عظمت على الميت، ويستكثر نفقات الطبيب وأثمان الدواء للمريض. يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تدل على عظم الماضي، ولا يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تبعث الأمل في المستقبل؛ ففي أعماق نفوسهم أن قول القائل: (ما ترك الأول للآخر) خير من القول: (كم ترك الأول للآخر). ويلوكون دائما: (لا جديد تحت الشمس)، ولا يعجبهم أن تقول إن كل ما تحت الشمس في جدة مستمرة، والمستقبل مملوء بالجديد. وإذا رأوا كلمة في كتاب قديم تدل ولو دلالة كاذبة على نظرية جديدة طاروا بها فرحا، لأن ذلك يلائم ما نفوسهم من تعظيم الماضي وتحقير الحاضر والمستقبل. هم يعيشون في أحلام، ولا يريدون أن يعيشوا في حياة واقعة، وحول هذه المعيشة الحالمة ينسجون دائما ما يوافقها ويمازجها ويسايرها؛ يكتفون بالأمل أن ينعموا بالآخرة؛ وماذا عليهم لو عملوا لينعموا في الدنيا والآخرة؟"
تالله آلمني المقطع.. لا حول ولا قوّة إلّا بالله.
يريد تعليم متابعيه "الحجج" لتشجيع فرق كرة القدم.. بقياس سخيف لا ينطلي على عاقل، وينقض به أصله الذي ردده دائما من انعدام العلاقة بين التشجيع والشرع.
يجعل رجاء المؤمنين انتصار أهل الكتاب على الوثنيين في حربٍ تغيّر خارطة الدعوة والعالم نفس تشجيع فريقٍ في لعبة.. ما أصدق كلمة الفقيد أبو إسحاق الحويني "نحن نتابع كرة القدم لأننا أمّة لاعبة"..
ألا يا نفس ويحك فاستقيمي
أما ترجين جنات النعيم
وتوبي إن يوم الفصل آتٍ
فلا يغني حميم عن حميم
وما هذي الحياة سوى متاعٌ
وليس العبد فيها بالمقيم
غفلت وكنت في لعب ولهو
وملت عن الصراط المستقيم
مضى عام عليك وجاء عام
أما حان الرجوع إلى الرحيم؟
ربّ عافنا
ربّ عافنا
ربّ عافنا
للشيخ بدر الدين النعساني الحلبي (ت: 1362) شعر جميل غير مجموع، وقد سمع شعره أحمد شوقي في حفل مبايعته بإمارة الشعر وشهد بأنه "شاعر مطبوع".
وقد عرفه الناس محققًا مُكْثِرًا عُنِي بتصحيح طائفة من الكتب التراثية، ومؤلفًا مُقِلًّا في كتابه الجليل "التعليم والإرشاد" في نقد طرائق التعليم، وهو قرين كتاب "أليس الصبح بقريب" للطاهر بن عاشور.
وترجم له تلميذه الدكتور سامي الدهان ترجمة حسنة في كتابه "قدماء ومعاصرون" أدّت إليه بعض حقه المنسيّ.
وذكر تلميذه السياسي الوزير أسعد الكوراني بعض أخباره وطريقته في التدريس في سيرته الذاتية "ذكريات وخواطر مما رأيت وسمعت وفعلت".
ومن لطيف شعره قوله:
قد يُخدع الحُرّ اللبيبُ كغيره * فيرى الفضيلة عند غير الفاضلِ
في كل يوم لي صديقٌ راحلٌ * وا حَرَّ قلبي للصديق الراحلِ
أبكي عليه بعبرة مسفوحة * ونِصاله مغروزة بمَقاتلي
العباس بن الأحنف شاعر رقيق الغزل عذب الألفاظ. قال عنه المُبرِّد في كتاب الرَّوضة في أخبار الشُّعراء المحدثين: كان العباس من الظُّرفاء ولم يكن من الخلعاء، وكان غَزِلاً ولم يكن فاسقاً، وكان ظاهر النِّعمة ملوكي المذهب، شديد التَّرف وذلك بيَّنٌ في شعره، غزير الفكر واسع الكلام كثير التَّصرف في الغزل وحده ولم يكن هجَّاءً ولا مدَّاحاً (انتهى كلامه).
وممَّا يؤيد هذا الكلام من شعره قوله:
قالَت مَرِضتُ فَعُدتُها فَتَبَرَّمَت
وَهِيَ الصَّحيحَةُ وَالمَريضُ العائِدُ
واللهِ لَو أَنَّ القُلوبَ كَقلبِها
ما رَقَّ لِلوَلَدِ الصَغيرِ الوالِدُ
كَتَبَت بِأَن لا تَأتِني فَهَجَرتُها
لِتَذوقَ طَعمَ الهَجرِ ثُمَّ أُعاوِدُ
ماذا عَلَيها أَنْ يُلِمَّ بِبابِها
ذو حاجَةٍ بِسَلامِهِ مُتَعاهِدُ
إِنْ كانَ ذَنبي في الزِّيارَةِ فَاعلَمي
أَنَّي عَلى كَسبِ الذُّنوبِ لَجاهِدُ
سَمّاكِ لي قَومٌ وَقالوا إِنَّها
لَهيَ الَّتي تَشقى بِها وَتُكابِدُ
فَجَحَدتُهُم ليَكونَ غَيرَكِ ظَنُّهُم
إِنّي لَيُعجِبُني المُحِبُّ الجاحِدُ
وجد مصعب بن الزبير زوجته عائشة بنت طلحة نائمة بالضُّحى ، فأنبهَها بعقدٍ رماها به من اللؤلؤ ، اشتراهُ بعشرين ألف دينار ، فقالت له : لقد كانتْ نومَتي أحبَّ إليَّ من هذا .
كتابٌ ألّفه رجل ثم أفتى بترك تعميمه على الأمة ، فصار هو المُعمَّم رغم إرادته.
▪︎ القسم الأول: نشأة الكتاب وقصة التأليف
في موسم الحج، وفي أوج سلطان الخلافة العباسية، وقف الخليفة أبو جعفر المنصور أمام إمام دار الهجرة مالك بن أنس، يطلب منه أمراً يبدو للوهلة الأولى تكريماً عظيماً: أن يضع للأمة كتاباً جامعاً في الفقه، يوحّد به شتات المسائل، ثم يُحمل الناس عليه في جميع الأمصار. لم يكن طلباً عابراً، بل كان تصوراً كاملاً رسمه الخليفة بنفسه لمنهج التأليف: أن يتجنب مالك في كتابه تشديدات ابن عمر، وتساهلات ابن عباس، وغرائب ابن مسعود، وأن يقصد الأوساط المجمع عليها بين الأئمة والصحابة.
استجاب مالك لجزء الطلب، فألّف "الموطأ" على هذا الأساس الدقيق. لكنه رفض الجزء الآخر — وهو الأخطر: أن يُفرض الكتاب بقوة السلطان على جميع الأمصار. وقد نقل الحافظ ابن كثير عن مالك تعليله لهذا الرفض بأن أهل كل بلد قد اطّلعوا على علوم لم يطّلع عليها غيرهم، فلا يصح إلزامهم برأي واحد بقوة السلطة.
واسم الكتاب نفسه يحمل دلالة لطيفة على هذه الفكرة؛ فقد روي عن مالك نفسه قوله: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ" أي أن التسمية مشتقة من "المواطأة" و"الموافقة"، لأن سبعين فقيهاً وافقوه على محتواه قبل أن يُنشر. فالإجماع كان حاضراً في اسم الكتاب منذ لحظته الأولى، لكنه إجماع محدود ارتضاه مالك بنفسه (سبعون فقيهاً اختارهم هو)، لا الإجماع الواسع غير المقصود الذي فرضته الأمة على نفسها لاحقاً عبر القرون.
وهنا تكمن المفارقة التي صنعت تاريخ هذا الكتاب: فما رفض مالك أن يفرضه بالسلطان، فرضه العلماء والعامة على أنفسهم طوعاً عبر القرون، حتى صار الكتاب الذي وصفه الإمام الشافعي بأنه أنفع كتاب بعد كتاب الله - وهذا القول قيل قبل ظهور صحيح البخاري أصلاً، مما يكشف عن المكانة التي احتلها الموطأ في الطبقة الأولى من التصنيف الحديثي والفقهي معاً.
▪︎ ملاحظة توثيقية حول صحة نسبة القصة: القصة السابقة، رغم شهرتها الواسعة واعتماد أكثر المصادر عليها، ليست محل إجماع تاريخي قاطع بين الباحثين. فقد ذكر بعض العلماء المعاصرين، نقلاً عن دراسة الأعظمي في مقدمة تحقيقه للموطأ، أن هناك اختلافاً حول الجهة التي طلبت من مالك تأليف الكتاب أصلاً: فبعضهم يرى أن الطالب هو الخليفة أبو جعفر المنصور كما هو مشهور، وبعضهم الآخر يرى أنه كان الخليفة المهدي بن المنصور (ابنه)، وفريق ثالث يرى أن مالكاً ألّفه من تلقاء نفسه دون طلب من أحد، بعدما اطّلع على عمل ابن ماجشون. كما أن بعض الباحثين المحققين شكّكوا في التسلسل الزمني للقصة نفسها استناداً إلى تتبع سنوات حجات المنصور في "تاريخ الطبري"، ورجّحوا احتمال وقوع الحوار مع المهدي لا مع المنصور، لتعارض التواريخ. وهذا لا يُسقط القصة، لكنه يستوجب التنبيه على أنها الرواية الأشهر لا المتفق عليها يقيناً.
▪︎ القسم الثاني: روايات الموطأ - لماذا استقرّ العالم الإسلامي على رواية واحدة؟
لم يُقرأ "الموطأ" على مالك مرة واحدة، بل ظل يعرضه على تلاميذه ويراجعه معهم طوال حياته العلمية الطويلة، فكان كل من سمعه في مرحلة مختلفة يحمل نسخة تختلف قليلاً عمن سبقه أو لحقه - زيادة هنا، حذفاً هناك، أو ترتيباً مغايراً لبعض الأبواب. ولهذا كثرت روايات الكتاب، لكن الأرقام المتداولة تحتاج تمييزاً دقيقاً: فالقاضي عياض نفسه، في "ترتيب المدارك"، حصر النسخ المكتوبة المشهورة التي وقف عليها أو رويت له بنحو عشرين نسخة، وذكر أن بعضهم أوصلها إلى ثلاثين نسخة فقط — لا سبعين كما تذكر بعض الأوصاف التجارية الشائعة لدى بعض الناشرين. أما عدد الرواة الأفراد (أي كل من سمع من مالك مباشرة أو بواسطة) فرقم مختلف تماماً، إذ أوصله الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت840هـ) في كتابه المتخصص "إتحاف السالك برواة الموطأ عن الإمام مالك" إلى نحو تسعة وسبعين راوياً. والخلط الشائع بين "عدد النسخ المكتوبة" و"عدد الرواة الأفراد" هو أصل تضارب الأرقام المتداولة عن هذا الموضوع. ومهما يكن عدد الروايات أو الرواة، فلم يبق مستعملاً منها اليوم إلا أربع نسخ رئيسة: رواية يحيى بن يحيى الليثي، ورواية ابن بكير، ورواية أبي مصعب الزهري، ورواية ابن وهب — مع ضعف التداول تاريخياً في روايتي أبي مصعب وابن وهب، وإن كانت رواية أبي مصعب قد نالت لاحقاً عناية تحقيقية حديثة لافتة كما سيأتي في القسم السادس.
ومن بين هذا الزحام، برزت رواية الأندلسي يحيى بن يحيى الليثي كأشهر الروايات وأكثرها تداولاً في المشرق والمغرب على السواء، حتى صار لفظ "الموطأ" عند الإطلاق يُنصرف إليها دون تقييد. ولهذا التفوق أسباب علمية دقيقة، أهمها:
«كَرِه السّلف والأئمة، كمالك والشافعي والإمام أحمَد بن حنبل، التخاطُب بغير العربيّة لغير حاجَة؛ لأنّها شعار أهل القرآن والإسلام، وبها يعرفون ما أمرُوا بمعرفته من أمرِ دينهم.»
- ابن تيمية -رحمه الله-.
جامع الصفيان، من الجوامع النشيطة جداً في الدروس العلمية وحلقات التحفيظ.
وهذه الأيام تقام فيه دورة الموطأ، بمشاركة عدد من أهل العلم.
الجامع يحتاج للترميم، وقد تم تغطية ٦٥٪ من المبلغ المرصود للترميم، وبقي ٣٥٪ (٢٦٤,٨٠٠ ريال).
ليتنا نتعاون هذه المرة، وكل مرة حتى تتم تغطية المبلغ، وذلك عبر:
١- إعادة النشر.
٢- التفضيل.
٣- المشاركة عبر حالات الواتساب وقروبات الأهل والأصدقاء، والتواصي على التبرع وتكراره.
المبلغ يسير، مقارنة بما كان وقت البدء بالنشر لهذه الحالة.
والتبرع يقبل أي مبلغ.
فالله الله على هذا الأجر الذي يحصل لك كل يوم إذا تم الترميم، بالصلاة، وحفظ القرآن، والدروس العلمية، وكل ذلك أجور تستمر لك بعد الموت.
رابط الحالة:
https://t.co/CETmxvAp9b
صورة من حضور إحدى الدورات الشرعية 👇