ما أعظمَ أن يكون للإنسان وِردٌ يختم به القرآن كلَّ سبعةِ أيامٍ؛ كأنما يجدّد به عهده مع الله، ويستفتح به صفحةً من النور واليقين.
ذاك هو تسبيع القرآن الذي وضع لبناته الرسولُ الكريم ﷺ، فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو:
«اقرأه في سبعٍ ولا تزد على ذلك».
فأخذ الصحابةُ هذا الأمر مأخذَ العهد، وساروا من بعده على هذا النهج، وجعلوه دَيدنًا وسبيلًا.
روى أبو داود في سننه عن أوس بن حذيفة أنه قال:
«سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تُحزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاثٌ، وخمسٌ، وسبعٌ، وتسعٌ، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزبُ المفصّل».
وهذا التسبيع غذاءُ القلوب، وعقدُ الوفاء بين العبد وربه، وعنوانُ الصدق في السير إليه.
وليس يحول بينك وبين المحافظة عليه إلا يسيرٌ من المجاهدة؛ فهو وِردٌ يسيرٌ على من يسّره الله عليه، فإذا ضبطت لحزبك ساعةً ��علومةً لا يعبث بها الهوى، ولا تزحزحها مشاغلُ الحياة؛ كنتَ من أهل القرآن حقًّا، ولك فيه الخيرُ كلُّه، ورأيته يجري في عروقك مجرى الدم، حتى كأنما صار جزءًا من كيانك، ورأيتَ أنواره تسري في دروبك كلِّها.
وليس أروحَ للنفس من أن تُقسَّم هذا الورد على أوقات يومك:
• شيءٌ في هدأة الليل يلين له قلبك وتشرق به نفسك.
• وشيءٌ بعد الفجر يبارك الله به مسعاك وتستفتح به نهارك.
• وشيءٌ بين العشائين تُختم به يومك ختامًا من نورٍ وطاعةٍ وصفاء.
وللتسبيع سرٌّ بديع في صلاح النفس واستقامة الحال، فبه يفتح الله مغاليقَ القلب، وينشرح الصدر، ويمتلئ يقينًا وسكينةً ورِضًا.
هو مفتاحُ خيرٍ وبركةٍ يفتحه الله ��من أحبَّه واصطفاه.
ومن جرّبه وداوم عليه؛ شهد انقلابَ حياته من حالٍ إلى حال، ورأى من البركات والخيرات ما يبدّل أيامه سكينةً ونورًا… فإذا تحدّث نطق بالحكمة، وإذا سكت امتلأ يقينًا، وإذا مضى في طريقه كانت خطاه على هدى وسداد؛ حتى كأنّ أنفاسه قرآنٌ يتردد في صدره. وما ذاك إلا لأن أيامه اكتست بردَ السكينة ونورَ الإيمان.
وقد عرفتُ أحد الصالحين ممّن فُتح عليه في العبادة وحُسن الصلة بالله، وكنت أرى في وجهه أنسًا لا يخفى وسكينةً لا تُشترى. فسألته عن أعظم ما أثّر في صلاح أحواله واستقامة قلبه، وعن سرّ ما هو فيه من خير ونور وطمأنينة؟
فقال بعفويته:
«أعظم ما غيّر حياتي هو تسبيع القرآن».
ثم قال:
«منذ أن واظبتُ عليه؛ ما فتحتُ بابًا إلا وجدتُ فيه بركة، ولا نزلتُ واديًا إلا غمره التيسير، ولا جاءتني ضائقةٌ إلا فتح الله لها فرجًا، ولا أظلمت لي حالٌ إلا أضاءها القرآن».
فإذا عزمتَ على المواظبة على التسبيع، فاعتصِم بثلاثة أمور تُعينك عليه:
1. الاستعانة بالله
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز».
2. الإكثار من قول
«لا حول ولا قوة إلا بالله».
3. ملازمة الدعاء النبوي
«اللهم أعِنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
د. طلال الحسان
يا مُغيث يا وهَّاب، يا من كل حوائجنا هي ملكه، نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، نسألك من الخير ما يطيب به عيشنا وتقرّ به أعيننا في الدنيا والآخرة، نسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول.
اللهمَّ أحييني بالقرآن، وأمتني على القرآن، أسأل الله أن لا أعيش اليوم الذي أفقد فيه القرآن، أو يُرفع من صدري، أو أفقد لذته ومحبته، أو يختم على قلبي ولا أفهم آياته، أعوذ بالله من ذلك، أسأل الله أن يعصمني ويُثبتني، ويثبّت القرآن في صدري حتى ألقاه وهو راضٍ عني.