معظم محتوى الصحة النفسية في مواقع التواصل يقوم على تدوير المعرفة لا إنتاجها ؛ هذا خلق مفارقة عجيبة نشوفها مع الطب النفسي : من بعيد ، يبدو لنا المجال في أقصى حالات نشاطه من ناحية تفاعله مع الناس ؛ لكن لما تقرب أكثر ، راح تكتشف أن المجال يعاني من حالة ركود مستمرة من سنوات طويلة !
أخيراً.. كسر الحاجز المستحيل بعد 40 عاماً من المحاولات🔬
نجاح تجربة لقاح تجريبي لمرض نقص المناعة المكتسبة (HIV) في تحفيز الاستجابة المناعية الصحيحة والدقيقة لدى 47 من أصل 48 شخصاً خضعوا للتجربة.
نحن لا نتحدث عن خطوة عادية، بل عن اختراق طبي تاريخي يمهد لإنهاء واحدة من أكبر المعضلات الطبية في عصرنا الحديث. 🧬
⚠️ملاحظة
اللقاح ليس جاهزاً للتوزيع التجاري بعد.
تمنيت لو لم تكن "مختزَلة"
علاقتنا بالذكاء الاصطناعي متوترة.
يستوقفني كيف يتباهى الإداريون والمهنيون عموماً بالتمكّن منه، ويعرضون أعمالهم المنجزة بكفاءة عالية بفضله..
وكيف يتوتر الأكاديميون والأدباء والكتّاب منه، ويعدّونه وصمة عار..
نحن أمام واقع يفرض نفسه، وعلينا أن نرسم حدود المقبول وغير المقبول معه،
قبل أن يصير سؤال أحمد بخيت شعار المرحلة:
"لماذا ليسَ في الإنسانِ ما يكفي منَ الإنسانْ!؟"
يا عمق هذا الاقتباس:
« من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الناس عند فهم وتصور الجوانب النفسية هي عدم إدراك أن غياب شيء ما لا يترك مجرد فراغ. فالأمر ليس كنقص الفيتامينات الذي يمكنك معالجته بسكب الفيتامينات ليمتلئ؛ إن غياب الحب، أو افتقاد هذه القدرة، يؤدي إلى نشوء بنية تعويضية مكانها.
هناك شيء آخر سينمو في ذلك المكان، وهذا الشيء يجب التعامل معه والتخلص منه قبل سكب الحب؛ ولهذا السبب لا يمكن شفاء الأشخاص المحرومين من الحب بمجرد تقديم الحب لهم. يجب على هؤلاء الأشخاص أولاً التعامل مع 'القرنبيط' الذي نبت في هذا الفراغ.»
"القرنبيط" في هذا السياق النفسي هو تعبير مجازي (Metaphor)، وليس المقصود به بالطبع النبات المعروف.
استخدم الكاتب هذا الوصف ليُجسّد "البنية التعويضية" المعقدة والمشوهة التي تنمو داخل نفسية الإنسان عندما يفتقد شيئاً أساسياً مثل الحب أو الأمان في مراحل تكوينه.
القرنبيط ينمو بشكل متفرع، متداخل، وكثيف. في علم النفس، عندما يغيب الحب والاحتواء، لا يترك هذا الغياب خلفه مساحة فارغة ناصعة، إنما تنمو في ذلك الفراغ حيل دفاعية، وصدمات غير معالجة، وأنماط سلوكية قاسية لحماية الذات (مثل: الشك المستمر، الجفاء العاطفي، الخوف من الارتباط، أو الاعتمادية المفرطة). هذه الدفاعات تتراكم وتتداخل عبر السنين حتى تصبح كتلة صلبة ووعرة تشبه تفرعات القرنبيط.
الهدف من هذه الاستعارة هو توضيح سبب فشل محاولات "إنقاذ" الأشخاص الذين عانوا من حرمان عاطفي مزمن بمجرد إغراقهم بالحب والاهتمام. الحب الجديد المتدفق يصطدم بهذه الكتلة الدفاعية النامية (القرنبيط)، فلا يجد مكاناً ينفذ منه أو يستقر فيه، وقد يتم تفسيره من قِبلهم كتهديد أو تلاعب.
الشفاء لا يبدأ بتقديم العاطفة، إنما يبدأ بمواجهة ومساعدة الشخص على تفكيك وفهم تلك الآليات الدفاعية والأنماط السلوكية التي طوّرها لحماية نفسه في غياب الأمان؛ تصفية هذا "القرنبيط" وهدم تلك البنية المشوهة هي الخطوة الأولى والأساسية ليصبح العقل والقلب مهيئين لاستقبال الحب الحقيقي والتعامل معه بشكل صحي.
(احتمالية أن يمتلك شخص ما مستويات عالية للغاية من الذكاء، والاجتهاد، والاتزان العاطفي في آن واحد هي 85 في المليون)
كل سمة من هذه السمات تتطلب بنية نفسية وعصبية مختلفة نسبيا. الذكاء العالي قد يرتبط احيانا بالحساسية الزائدة او التشتت، والاجتهاد يحتاج قدرة على تحمل التكرار والانضباط، بينما الاتزان العاطفي يعتمد على تنظيم داخلي واستقرار نفسي. ولهذا يصبح اجتماعها جميعا بمستويات مرتفعة داخل شخص واحد امرا نادرا احصائيا وسلوكيا.
الفارق الجوهري بين تحمل المسؤولية الأخلاقية وبين الاستعلاء الدفاعي في العلاقات؛ فالشريك الصحي يرى في ألمك مؤشراً لإصلاح المسار، بينما الشريك السام يرى في ألمك فرصة لابتزازك عاطفياً وتحويلك من ضحية إلى متهم.
الرد السام "لماذا أنت باقٍ معي إذا كنتُ سيئاً إلى هذا الحد؟" ليس سؤالاً حقيقياً يبحث عن إجابة، بل هو مناورة نفسية خبيثة (Gaslighting) تحقق ثلاثة أهداف للمؤذي بضربة واحدة:
نقل عبء الذنب (Shift of Guilt): بدلاً من أن يناقش سلوكه المؤذي، يحول النقاش إلى "قدرتك على الاحتمال" و"خيارك في البقاء"، وكأنه يقول: أنت المسؤول عن ألمك لأنك لم ترحل.
التهديد المبطن بالفراق: هو يضعك أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن تصمت وتبتلع ألمك، أو أن ترحل، مستغلاً تعلقك العاطفي أو خوفك من الفقد لفرض شروطه.
إعلان العجز المتعمد: هو يخبرك بوضوح "هذا أنا ولن أتغير، فاقبل الأذى أو ارحل"، وهو ما يتنافى تماماً مع مفهوم الشراكة والنمو المشترك.
وفي المقابل، الشريك الصحي يدرك أن الحب أفعال لا أقوال؛ فحين يرى أن تصرفاً منه يسبب لك الضيق، يتحرك مدفوعاً بـ التعاطف الحقيقي، لا الخوف من الخسارة فقط. التغيير هنا ليس إلغاءً للشخصية، بل هو نضج وإعادة ضبط للسلوك احتراماً للمساحة المشتركة، وبدون هذا الاستعداد الدائم للتقويم والتصحيح، تتحول العلاقة إلى ساحة تصفية حسابات وميزان قوى يستنزف الطرف الأنقى، ما يثبت أن البقاء مع شخص يبرر أذاه بـ "هذه طباعي" هو رهان خاسر على مستقبل لن يأتي أبداً.
لا أعلم لماذا نتجاهل الترابط القوي بين هرم ماسلو والهموم البشرية
على فكرة أنا من أكبر المعجبين به، وأعتقد أنه من أكثر النظريات متانة لفهم الإنسان ودوافعه
الإنسان كلما أشبع احتياجاته الدنيا، تعلق بما فوقها
لذلك من غير المنطقي أن تطلب من إنسان مثقل باحتياجاته الغريزية أو الأساسية أن يتجاوزها مباشرة ويهتم بالنمو الذاتي وتحقيق المعنى، كأنك تشوف واحد ما أكل له أربع أيام ثم تقول له شارك في مسابقة رياضيات ياخي طور نفسك خل عندك طموووح
الهموم نفسها تتدرج هرميًا
هناك من يقلقه الطعام والأمان، وهناك من تؤرقه المكانة الاجتماعية، وهناك من يعيش قلق المعنى وتحقيق الذات -وهو أكثرهم شبعًا-
وكل واحد منهم لا يفهم هم الآخر؛ لأنه ببساطة يتحرك داخل طبقة مختلفة من الاحتياج
لاحظ نفسك على مستوى أبسط
إذا مر عليك يوم ما نمت زين، ثم خطرت لك فكرة مرتبطة بهم وجودي أو مشكلة معقدة، ستجد عقلك غالبًا يشتتها تلقائيًا ويؤجلها، ويصبح الهدف الأساسي أبي أنام الحين وبعدين أفكر فيها
تعصبني أنا الخطابات اللي تطالب الإنسان بالقفز فورًا إلى الانضباط، والشغف، وتحقيق الذات، تتعامل معه وكأنه كائن منفصل عن احتياجاته البيولوجية والنفسية الأساسية، بينما الحقيقة أن الإرادة نفسها تتأثر بحالة الإنسان واستقراره
في عام 1935، طلبت إحدى الأمهات من فرويد أن يعالج ابنها،فأجابها في رسالة أصبحت في وقت لاحق شهيرة:
"أنا فهمت من رسالتك أن ابنك مثلي الجنس ... وهو شيء لا يجب أن تخجلي منه، ليس رذيلة، ولا انحلالًا، بل لا يمكن أن تصنف على أنها مرض، ونحن نعتبر أنها تنوع في الوظيفة الجنسية، تنتجها تأخرات معينة أثناء التطور الجنسي ... وبسؤالي عما إذا كنت أستطيع مساعدة ابنك، فإنك تعنين، على ما اعتقد، ما إذا كان يمكنني إلغاء مثليته وجعل الغيرية تأخذ مكانها. والجواب هو، بشكل عام لا نستطيع أن نعد بتحقيق ذلك. في عدد معين من الحالات نجحنا في تطوير بذور ميول الجنسية الغيرية، والتي تعتبر موجودة في كل مثلي؛ في معظم الحالات، لم تعد ممكنة. فهي مسألة نوعية وعمر الفرد. لا يمكن توقع نتيجة العلاج."
تغيَّر تصنيف المثلية الجنسية في الدليل التشخيصي والإحصائي DSM المنشور عن الجمعية الأمريكية للطبالنفسي APA مرات عدة في إصداراته المختلفة، حيث اعتبر الإصدار الثاني من الدليل DSM-II المثلية الجنسية اضطرابًا عقليًا، ضمن قسم الانحرافات أو الشذوذ الجنسي، ثم صنفت على أنها اضطراب توجه جنسي.
ومن الأشياء التي أثارت الجدل حول هذا التغيير، هو أن الجمعية الأمريكية للطب النفسي أزالت المثلية ليس بناء علي دليل علمي، إنما بناء على استفتاء من أعضاء الجمعية في ديسمبر من عام 1973م، حيث وافق 5,854 عضوًا في حين رفض 3,810 آخرون، وبذلك أزيلت المثلية من قائمة الأمراض العقلية ضمن تصنيف الشذوذ الجنسي، ووضعت في تصنيف جديد وهو اضطراب التوجه الجنسي، تمامًا كما حصل الاستفتاء على طبيعة المسيح في مجمع نيقية المسكوني سنة 325م، هل هو من طبيعة إلهية أم بشرية!!
وفي الإصدار الثالث من الدليل DSM-III تم استبدال تصنيف اضطراب التوجه الجنسي بتصنيف المثلية غير المنسجمة مع الأنا، وبذلك تعتبر المثلية ليست مشكلة إلا إن كانت غير منسجمة مع الأنا، وفي مراجعة الإصدار الثالث من الدليل تم إسقاط المثلية الجنسية تمامًا من الدليل الاحصائي واعتبارها تنوعًاجنسيًا طبيعيًا.
بالمقابل ما زالت مجتمعاتنا العربية تحارب هؤلاء المضطربين بضراوة، وتحاول تهميشهم بدل احتوائهم وبحث طرق للحد من انتشارهم، بدءًا من الوعظ الديني والوعيد الشديد بجهنم، ومرورًا بالنبذ الاجتماعي والوصم بالعار مدى الحياة، وانتهاءً بالخضوع للمحاكمة والزجِّ في السجن. ووسط كل هذه الأجواء المشحونة ضدهم قد يضطرون لطلب العون من جهات خارجية، التي بدورها قد تستغلهم لخدمة أجندتها السياسية والعبثية وخلق شبكات تجسس في أنحاء البلاد.
ما العمل إذن؟
نحن الآن ما بين اتجاهين أقرب ما يوصفان به هو التطرف في التعامل مع هذه الفئة، فما بين إعطاؤهم الشرعية الكاملة، أو سلبها بالكلية، والحل الأمثل في رأينا هو التالي:
1- الاعتراف بهم كمكون مجتمعي يحتاج للمساعدة.
2- إعادة تصنيفهم كأفراد مضطربي التوجه الجنسي وليس العقلي.
3- توعيتهم بطبيعة الاضطراب الذي يعانون منه وكيف نشأ من الأساس.
4- توفير الدعم النفسي وكل أنواع العلاج مع الحفاظ على خصوصيتهم.
حينما نعترف بهم فنحن نسلط الضوء على المشكلة وهي أولى مراحل الحل، وحينما نصنفهم فنحن نضمن لهم حقوقهم كأفراد مضطربين بحاجة للمساعدة وليس جانحين؛ مما يُدخل الطمأنينة عليهم ويشجعهم للإقدام على طلب المساعدة، والتوعية من أجل زيادة الفهم وإعادة ترتيب الأوراق، والأهم أن يعرف أنه لم يصل للحالة التي هو عليها بشكل طبيعي، وكذلك لتعريف باقي أفراد المجتمع بطبيعة الاضطراب الذي يعاني منه هؤلاء وأنه أمر خارج عن إرادتهم، وأنهم كانوا ضحية عوامل قاهرة متعددة، وتوفير الدعم والعلاج هو حقهم المدني كأي مواطن عادي.
وكما لهم حقوق فعليهم كذلك، يجب أن يعرفوا أنه ينبغي الالتزام بأنظمة وقوانين البلد الذي يعيشون فيه، وأن الاعتراف بهم هو من أجل الإصلاح وليس تصريحًا لممارسة تلك السلوكيات المرفوضة تمامًا. ويجب أن تكون التوعية المجتمعية واسعة الانتشار وبطريقة مناسبة، كما يروّج في وسائل الإعلام المختلفة عن أضرار المخدرات والسجائر وطرق الوقاية منها أو الإقلاع عنها، وكذلك صنع محتوى جيد عبر الإنترنت يوجه رسائل إيجابية، ويعطي الأمل لكل من يرغب في العلاج وتعديل السلوك.
من خلال العمل العيادي التقيت بعشرات الحالات الرائعة، شخصيات من وسط المجتمع محترمة وكثير منهم متدين، لدرجة انه يحضر للجلسة وهو صائم (صيام تطوع).
منهم متزوج ولديه أبناء والبعض الآخر أعزب غير قادر على الاقتران. مسالمون جدًا ويشعرون بالخوف من دواخلهم لعدم انسجامهم مع باقي المجتمع ويرغبون بشدة في العلاج وتحقيق التوازن في حياتهم.
مسألة علاجهم تتطلب شرحًا مفصلًا لعلي أتناوله في منشور آخر، فمنهم من يكون صالحًا للتحول ومنهم من يتعذر عليه ذلك لوجود شيء أقرب ما يكون تكوين جيني أصيل بداخله وليس مجرد ميل نفسي أو اضطراب تربوي مبكر.
@HAjoreen@AAlJumah كم الفرق في نسبة الخصوبة بين النساء العاملات وغير العاملات؟
هل تنجب المرأة غير العاملة عددًا أكبر من الأبناء مقارنة بالعاملة؟
ما أسباب عزوف الرجال عن الزواج والانجاب رغم وجود الكثير من فرص الارتباط بنساء غير عاملات؟
أتمنى لو تستوعب كل أم مبدأ الأم الجيدة بما يكفي Good Enough Mother
قد يكون أصعب ما في الأمومة هو الهلع من الإخفاق فيها، وتخيل ما قد يجلبه هذا الإخفاق من تبعات نفسية.
أمهات اليوم يقرأن ويشاهدن بكثافة غير مسبوقة محتوى يتحدث عن هذه التبعات، كما تنهال النصائح التربوية المغلوطة عليهن كالطوفان، سواءً من المحيط القريب، أو البعيد من خلف الشاشات.
في مبدأ أم جيدة بما يكفي يقول وينيكوت على الأم أن تبدأ بتكيّف شبه كامل مع حاجات رضيعها، ثم تصبح أقل تكيفًا تدريجيًا مع مرور الوقت، متتبعةً قدرة طفلها المتنامية على التعامل مع إخفاقها.
وبهذه الإخفاقات يستكشف الطفل علاقة ذاته بالآخر، ويتعلم التعامل مع خبرة الإحباط وينمو من خلالها.
يحتاج الطفل إلى أم تحضر وتغيب، تخطئ وتصحح، تمنحه الحب، وتمنحه مساحةً لتحمّل إحباط العالم لاحقاً.
من أجمل الكتب التي تناولت الموضوع بأسلوب واقعي وسهل كتاب The Good Enough Parent
من إصدارات The School of Life
#مقال_الجمعة
حين تتحول القيم إلى هويات قابلة للبيع
في ظني أن كثيرا من المظاهر الاجتماعية المعاصرة لن تستمر بالشكل الحالي، وأننا نعيش مرحلة استثنائية أو نشاز اجتماعي، ستتبعه بالضرورة مرحلة تصحيح وإعادة توازن. هذه الظاهرة ليست مرتبطة بمجتمع بعينه، وإن كانت أكثر وضوحا في المجتمع الأمريكي، لكنها أصبحت حاضرة عالميا بأشكال مختلفة، ووصلت كذلك إلى مجتمعاتنا العربية.
الفكرة ببساطة أن الإنسان في السابق كان يحمل قيمة أو فكرة أو رسالة بوصفها جزءا من تكوينه الإنساني والأخلاقي. أما اليوم، فقد أصبحت القيم نفسها تدار أحيانا كـ هويات تسويقية. يعمل الفرد على بناء صورة معينة حول ذاته: صورة المثقف، أو الإنسان الواعي، أو المدافع عن قضية إنسانية، أو الملهم، أو الخبير النفسي، أو صاحب الرسالة الاجتماعية. ثم يبدأ تدريجيا في تسويق هذه الصورة، وتحويلها إلى مصدر للنفوذ أو الشهرة أو المكسب المادي. ومع الوقت، لا تعود القيمة مجرد قناعة داخلية، بل تصبح هي (المنتج) الذي يقدمه الإنسان للعالم.
لا أرى في ذلك مشكلة مطلقة، فكل المجتمعات عبر التاريخ عرفت أشكالا من الحضور الاجتماعي والتأثير والرمزية. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول القيمة من معنى يعاش إلى أداة تستهلك. حين يصبح الحفاظ على الصورة أهم من حقيقة الفكرة نفسها، وعندما يصبح الإنسان مضطرا إلى تمثيل هذه الهوية بشكل دائم حتى لا يخسر جمهوره أو مكانته أو مكاسبه.
وهنا تظهر المفارقة: المجتمع في الغالب لا يرفض القيم ذاتها، بل يرفض الشعور بأن تلك القيم قد استعملت كغطاء للمصلحة أو الاستعراض أو التكسب. لذلك نلاحظ أحيانا ردود فعل حادة تجاه بعض الشخصيات العامة أو الخطابات الأخلاقية أو الإنسانية، ليس لأن الناس ضد تلك المبادئ، وإنما لأنهم يشعرون بوجود فجوة بين الخطاب والممارسة، أو لأن القيمة فقدت عفويتها وتحولت إلى أداء دائم أمام الجمهور.
وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تضخيم هذه الظاهرة بشكل غير مسبوق. نحن نعيش اليوم داخل(اقتصاد الانتباه)، حيث أصبحت المشاعر، والمواقف، وحتى التفاصيل الإنسانية اليومية، قابلة للتحويل إلى محتوى. لم يعد الإنسان يعرض أفكاره فقط، بل يعرض ذاته بالكامل بوصفها مشروعا عاما. ومع الوقت، يصبح من الصعب التمييز بين الإنسان الحقيقي والصورة التي صنعها عن نفسه.
الأمر لا يقتصر على مجالات الشهرة التقليدية، بل امتد إلى كل شيء تقريبا: الوعي النفسي، والتنمية الذاتية، والعمل الخيري، والروحانية، وحتى البساطة والتواضع أصبحت أحيانا هويات قابلة للتسويق. والمشكلة ليست في النجاح أو الانتشار أو تحقيق الدخل، فذلك طبيعي، بل في اللحظة التي تصبح فيها القيمة مجرد وسيلة للحفاظ على الحضور الاجتماعي.
ومن الجانب النفسي، فإن ربط الإنسان هويته بالكامل بصورة عامة أو بقيمة واحدة يضعه في مأزق داخلي معقد؛ لأنه يصبح أسيرا لهذه الصورة. لا يستطيع التراجع، أو الاعتراف بالخطأ، أو التطور الطبيعي، أو حتى إظهار تناقضاته الإنسانية، خوفا من أن ينهار البناء الذي صنعه حول ذاته. وهنا تتحول القيمة من شيء يمنح المعنى إلى عبء يجب حمايته باستمرار. لذلك لا أستغرب أن بعضهم تحدث لاحقا عن مروره بفترات اكتئاب أو احتراق مهني وإعلامي، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلا وهو يؤدي ذاته أمام الجمهور طوال الوقت.
لذلك أعتقد أن المجتمعات ستتجه تدريجيا نحو مرحلة تصحيح. فبعد فترات طويلة من تضخم الصورة والاستعراض، يبدأ الناس عادة بالبحث عن الأصالة والهدوء والعمق والخصوصية. الإنسان بطبيعته يمل من الأداء المستمر، ويبحث في النهاية عمن يبدو حقيقيا لا عمن يبدو متقنا. ولذلك تبقى الأصالة دائما هي الرهان الأنجح.
ربما ليست المشكلة في أن يكون للإنسان رسالة أو تأثير أو حضور، بل في أن تتحول حياته بالكامل إلى عملية تسويق مستمرة لذاته، حتى تذوب المسافة بين ذاته و ما يقدمه للناس و لات حين مناص.
و الله من وراء القصد،