هذا التكلف في كتابة مقال طويل لتفكيك قاعدة لا يعتمد عليها الشيعة أصلاً في هذا المقام، يدل على مهارة عجيبة في "الجهل المركب"؛ فهو لا يجهل فقط أدلة مخالفيه، بل يجهل أنه يجهل، ويظن أنه يحسن صنعاً.
من قال لك أصلاً إن الشيعة يستدلون بـ "التخصيص بالذكر" لإثبات حصر الإمامة؟
الشيعة لا يقولون: "بما أن النبي ذكر علياً، إذن الإمامة محصورة فيه بناءً على قاعدة التخصيص".
هذا استدلال صبياني ألصقته بالشيعة لكي يسهل عليك الرد.
قبل أن تتفلسف، ناقش بعض هذه الوجوه والقرائن التي تحسم المسألة:
الوجه الأول: تصدير النبي ﷺ هذا الحديث بقوله "أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟".
وهذا يقتضي أن المراد من "المولى" هو القائم بأمر غيره، الأولى به نفسه، وإلا لم يكن هناك ارتباط بين هذه الجملة وبين قوله "فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ".
فبيان النبي ﷺ أنه أولى بالغير من نفسه لا ينسجم إلا ببيان أمر له تعلق بالأولوية.
الوجه الثاني: اقتران الحديث بجملة من القرائن المناسبة لبيان القيام بأمر المسلمين، منها:
١. ذكر الكلام في آخر عمره الشريف في خطبة عامة مع التنبيه أنه "يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ".
٢. قرن حديث "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ" بحديث التمسك بالثقلين لمنع الضلال؛ روى الفسوي بسند صحيح في المعرفة والتاريخ (١/٥٣٦) [تحقيق العمري] «حدثنا يحي قال: حدثنا جرير، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن زيد بن أرقم قال: قال النبي ﷺ: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
٣. المعنى المقابل لمعنى القيام بأمر الغير كالمحبة والنصرة من الأمور الواضحة نسبتها إلى علي -عليه السلام- فلا يحسن جمع المسلمين لإفادتها بهذه الكيفية.
ومعنى الناصر والمحب في هذا المقام غير معقولين، فكلمة "مولى" تأتي بمعنى "المحب" و "الناصر"، لا بمعنى "المحبوب" و "المنصور"، والنبي ﷺ جمع الناس لإثبات منزلة لعلي ﷺ لا لإثبات واجب عليه.
لأن معنى الحديث لمن يريد صرفه عن دلالته سيكون هكذا: من كنت ناصره ومُحبه فعلي ناصره أو مُحبه، وأنتم تريدون هذا المعنى: من كان ينصرني ويحبني فلينصر وليحب عليا.
فلا يوجد احتمال معقول إلا معنى القيام بأمر الغير.
٤. قوله ﷺ "اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ"، فهذا صريح في محورية علي بن ابي طالب -عليه السلام- في الموالاة والمعادة، وهذا ينسجم مع شأن الأولى بالغير في أن يكون دائما على الحق ويجب مناصرته ومعاداة من عاداه، فهو المحور.
وهذه الزيادة صحيحة على رغم أنف من رغم، وصدر الحديث متواتر وليس بآحاد، قال الألباني في سلسلته الصحيحة ج٤ ص٣٤٣:
«وجملة القول أن حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه، بل الأول منه متواتر عنه ﷺ كما ظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه، وما ذكرت منها كفاية».
وقال:
«فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان
صحته أنني رأيت شيخ الإسلام بن تيمية، قد ضعف الشطر الأول من الحديث، وأما الشطر الآخر، فزعم أنه كذب! وهذا من مبالغته الناتجة في تقديري من تسرعه
في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها، والله المستعان».
ومن صرح بتواتره أيضا:
قال الذهبي في السير ج٨ ص٣٣٥ [طبعة الرسالة]: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، عَالٍ جِدًّا، وَمَتنُهُ فَمُتَوَاتِرٌ.
وقال في تذكرة الحفاظ ج٢ ص٢٠٣: رأيت مجلدا من طرق الحديث لابن جرير فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق.
وقال في السير ج١٤ ص٢٧٧ [طبعة الرسالة]: جمع [ أي ابن جرير الطبري] طرق حَدِيْث غَدِيْر خُمّ، فِي أَرْبَعَةِ أَجزَاء، رَأَيْتُ شَطْرَهُ، فَبهَرَنِي سَعَةُ رِوَايَاته، وَجزمتُ بِوُقُوع ذَلِكَ.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية ج٧ ص٦٨١ [تحقيق التركي]: قَالَ [اي الذهبي] وَصَدْرُ الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرٌ، أَتَيَقَّنُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَهُ.
وَأَمَّا: «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ»، فَزِيَادَةٌ قَوِيَّةُ الْإِسْنَادِ.
وقال الملا علي القاري في المرقاة ج٩ ص٣٩٣٨: وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، بَلْ بَعْضُ الْحُفَّاظِ عَدَّهُ مُتَوَاتِرًا.
فلا مجال لرد نص نبوي متواتر من أجل الحفاظ على نظرية عدالة الصحابة التي لا تثبت بالشكل الذي تصورونه، لا بالقرآن ولا بالسنة ولا بالتاريخ.
مو عيب يا سعدون إنك تجتزأ مقطع السيد علي من سياقه وتفرد عضلاتك على أوهام؟
السيد نقطته مو الإشكال على نسخة صحيح البخاري، بل نقطته في الفرق بين مسلك بناء الحجية عند الشيعة وبين أغلب من لا يفكر بتأسيس هذا البناء أصلا عند أهل السنة، ثم يأتي هذا السني بكل صلافة وجه ويلزمنا بإشكالات حنا اللي بحثناها كإشكال وجود فجوة زمنية بين الرجالي اللي يوثق والراوي، مع أن أهل السنة أنفسهم ما يلتزمون بهذا الشي، فكيف تشكلون بشي موجود عندكم أصلا؟
وضرب مثالا بنسخة صحيح البخاري اللي وصلت لنا، ومعروف أن النسخة المعتمدة اليوم والأوثق واللي عليها المدار ترجع بشكل أساسي إلى راوي واحد هو الفربري، بينما بقية الروايات هي نسخ مساندة وثانوية يستخدمها العلماء للمقارنة والترجيح.
ومدري متى صارت كلمة "إمام" عندكم دالة على توثيق صريح ومباشر، وكلام الدارقطني كان في سماع الفربري لصحيح البخاري ومافيه أي توثيق صريح.
وعلى عكس نسخة صحيح البخاري المعتمدة اليوم واللي رواها الفربري واللي كان أول من وثقه السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ، فالكافي رواه كبار الطائفة عن الكليني مباشرة كابن قولويه والنعماني والتلعبكري وغيرهم.
وللمعلومية كتاب الكشي ما وصل لنا بالكامل، الواصل لنا هو اللي هذبه واختصره الشيخ الطوسي وسماه اختيار معرفة الرجال، فإشكالك بله واشرب مويته.
في النهاية انت أثبَتَّ النقطة اللي يبي يوصلها السيد، السنة والشيعة ما اعتمدوا فقط على توثيقات المتأخرين الصريحة في توثيق الرواة، بل أضافوا إلى ذلك اعتماد الطائفتين في تثبيت أصول كتبهم على التوثيق العملي بالتواتر والاستفاضة وتلقي الطائفة بالقبول، وما يلتزمون حرفيا باشتراط توثيق نصي صريح من المعاصرين للرواة، وهذا جوهر الإشكال الذي تجاهلته إضافة إلى إشكال بناء الحجية، واللي هو الأساس في كلامه.
فعلا انتقاداتكم وإشكالاتكم غير منصفة.
@SaAlmutawaa والخلاصة:
من يرد ينبغي أن يفهم الفرق بين النقض الذي يبين تناقض الخصم، وبين الإشكال التي يتبناه الشخص.
فالمقطع بكامله بيان من السيد لأساليب غير منصفة في الإشكال على علم الحديث الشيعي ونقضها،
ثم تأتي أنت وتؤكد أنك تتبنى هذه المناهج الرديئة في الإشكال، ثم نضطر لإعادة الشرح عليك!
@SaAlmutawaa أما احتجاجك بلفظ "الإمام" على توثيق الفربري، وهو وإن كان لفظ محتمل للتوثيق ولكنه غير مطرد في الاستعمال وغير كاشف عن الضبط بذاته، ففيه إجمال، ويتضح ذلك في بعض الاستعمالات، فهذا الذهبي يصف الحارث الأعور بالإمام، رغم أنه متحير فيه!
الذهبي يصف الحارث الأعور بالإمام ولم يوثقه وليّنه
@GaithPp لا أدري إن كان هذا سبق قلم منه أم لا، ولكن مرتضى مطهري كان متخصصا في المعقول والفلسفة، ولم يكن متخصصا في تاريخ الفقه السني ولم يتميز في علم المنقول، وجلّ من لا يخطئ.
أيضا ابن تيمية يتكرر منه نسبة أحاديث إلى المصنفات وهي ليست فيها:
@j_alshimali200 والذي ينبهك على ذلك أن لو رأينا حديثا في كتب أهل السنة نحتمل أن الإمام اتقى فيه (كمدحه لبعض الظالمين)
هل يجوز عندك أن أعبر عن هذه الرواية السنية بأنها من تراث أهل البيت الذي يجب احترامه فقط لأننا نحتمل صدورها؟
من الواضح أن تعبيري يفهم منه النسبة الجزمية وإلا لم يصح الاعتراض
@j_alshimali200 حياك الله
القول بأن رواية (معينة محددة) أنها من تراث أهل البيت بعينها في سياق الدفاع عنها = يعني أنها من كلام أهل البيت الصحيحوالنسبة إليهم، وهنا موضع الإشكال في اعتراضك
وهذا بخلاف القول بأن البحار والكافي من تراث أهل البيت لأن هذا التعبير يحمل على التغليب والكثرة والتضمن
@j_alshimali200 فالروايات المنسوبة لأهل البيت (ع) منها ما هو ضعيف النسبة ومنها ما هو صحيح النسبة ومنها ما هو مكذوب النسبة، ولا يصح وصف الضعيف والمكذوب بأنه من تراث أهل البيت، ومن يدعي الصحة فعليه الدليل والحجة.
وكان يجدر بك أن تقول: "التراث المنسوب لأهل البيت" لكيلا تقع بما وقعت به من التقوّل.
@j_alshimali200 "احترام تراث أهل البيت واجب"
هذا الكلام فيه ادعاء منك أن دعاء الجوشن ينتسب لأهل البيت عليهم السلام، وهذا يحتاج إلى دليل منك، وإلا كان تقوّلا على أهل البيت ع.
معلومة لك: بعض الفقهاء كالسيد موسى الزنجاني والعلامة المجلسي والسيد المهري يرون تقديم الأدعية المعتبرة سندا على غيرها.